... قال أبو حنيفة:"لولا السنّة ما فهم أحدٌ منا القرآن". وهذا صحيح تمامًا، فكيف لمسلم أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويحج البيت بالرجوع إلى القرآن فقط، ولا ننسى أنّ القرآن الكريم هو الذي أوجب علينا هذه الفروض وغيرها بنصوص مجملة تُفصِّلها السنّة.
كتابة الحديث:
بدأت كتابة الحديث في زمن الرسول، عليه السلام؛ فقد صحّت الأخبار التي تحدّثت عن حرص عدد من الصحابة، رضوان الله عليهم، على كتابة الحديث النبوي، وكان لبعضهم صحف أخذ عنها الصحابة والتابعون، ولكن الكتابة لم تكن رسميّة ككتابة القرآن الكريم. واستمرت كتابة الحديث في عهد الصحابة والتابعين، وكان الكثير من الحديث مبثوثًا في كتب العلم والمصنفات المختلفة وذلك قبل أن تُفرد له الكتب المصنّفات التي تقتصر على الحديث فقط.
الكتابة وضرورة انقضاء عصر الرسول،عليه السلام:
حتى تتم كتابة الحديث بالكامل لا بد من انقضاء عصر الرسول، عليه السلام، ثم عصر الصحابة، ثم عصر التابعين؛ لأنّ الحديث يتعلّق بكل ما ورد عن الرسول، عليه السلام، من قول أو فعل أو تقرير أو صِفه، وهذا يُحتّم أن يقوم التابعون باستفراغ كل ما عند الصحابة من حديث، بالتتلمذ عليهم والإكثار من سؤالهم، ويُحتّم أيضًا أن يستفرغ أتباع التابعين ما عند التابعين من حديث، بالتتلمذ عليهم والإكثار من سؤالهم.
مثال توضيحي:
لنفترض أنّ تابعيًّا سأل صحابيًّا فقال: ما حكم أكل لحم الضّب؟، ولنفترض أنّ الإجابة كانت: كنتُ يومًا آكل لحم الضب والرسول، عليه السلام، ينظر. ولنفترض أنّه حصل بعد خمسين سنة أن سُئل هذا التابعي السؤال الآتي: بما أنّكم عاصرتم الصحابة فهل تعلمون شيئًا في حكم أكل لحم الضب؟"، سيكون جواب التابعي:"نعم سألتُ يومًا الصحابي الفلاني عن ذلك فقال: إنّه كان يأكل لحم الضب والرسولُ ينظر"."