لقد مضت الأيام التي كُنا نحتاج فيها أن نقدم للناس الدليل تلو الدليل على وجود الخالق، ولم نعد اليوم نشعر بوجود الملاحدة، وهذا من فضل الله على الناس. لقد مرّت العاصفة، وعاد الناس إلى رُشدهم، بل لقد انقضت عصور الإلحاد، وأصبح واضحًا أنّ الناس يستقبلون عصر الإيمان المستند إلى الوعي والفطرة السّويّة.
سألنا عددًا من الناس هذا السؤال:"كيف تُدلل على وجود فنان وراء اللوحة الفنيّة؟"، فكان أن التقت الإجابات عند القول:"إنّ الأمر لا يحتاج إلى دليل، لأنّ اللوحة نفسها هي الدليل، فهي تخبرك أنّ الذي رسمها فنان". وما يقال في اللوحة يقال في القصر البديع، فهو يُخبرك بالمهندس الذي أشرف على البناء.
يُطلب الدليل عادةً في المسائل التي لا تُدرَك بداهة، أمّا الأمور البدهيّة فلا نحتاج فيها إلى دليل، بل الدليل ينتهي عند الأمور البدهيّة، ولولا البدهيّات لما أمكن تقديم الدليل، لأنّ الدليل يتسلسل حتى يستقرّ مستندًا إلى بدهيّة.
سألنا البعض: هل الريح مدركة عاقلة ؟ فكانت الإجابة لا؟ قلنا: كيف نعرف ذلك؟ قالوا: لم نر أثرًا للريح يدل على أنّها مدركة. وهذا صحيح؛ فآثار الريح تُثبت أنها قوة، وليس لدينا أثرٌ يدل على أنّ هذه القوة مدركة ومريدة. وفي المقابل ليس لدينا دليل واحد على أنّها غير مدركة.