فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 320

يتحدث القرآن الكريم، في خواتيم سورة الكهف، عن قصة ذي القرنين، الحاكم القوي التقي العادل، الذي يجوب الأرض حاملًا رسالة الخير إلى الناس، فهو على خلاف ما عهدته البشرية من حكم الجبابرة والمتسلطين. ويجدر أن نلفت الانتباه هنا إلى أنّ ذا القرنين المذكور في القرآن الكريم ليس هو الإسكندر المقدوني، بل هو عبد صالح، يُرجّح البعض أنه كورش الفارسي. وما يهمنا هنا أن نلفت الانتباه إلى ما قام به من ردم عظيم فصل به بين أُمّتين، ويكون بذلك قد أعان الأمّة الضعيفة على النمو بعيدًا عن إفساد أمّة يأجوج وأمّة مأجوج. وقد ساعد هذا الفصل والعزل على تشكّل وتبلور شخصيّة أكثر من أمّة. واعتبر ذلك في حينه رحمة؛ جاء في الآية 98 من سورة الكهف:"قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي". ولكن مشيئة الله وحكمته أن لا يدوم هذا العزل:"فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ، وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا".

مرحلة الموج:

عندما يأتي وعد الله باندكاك الردم الحاجز تُترك الأمم ليختلط بعضها في بعض، جاء في الآية 99 سورة الكهف:"وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ…"، أي يُترك الناس في زمن معين ليختلط بعضهم في بعض، في صيغة موجات، أي يتمّ التداخل بين الأمم، ولكن بعد أن يكون لكل أمّة شخصيتها المتميزة، أي مع احتفاظ كل أمّة بأسس شخصيتها التي تميّزها عن غيرها؛ فالتنوّع في الأمم هو من أسرار التحضّر البشري، وهو من أسس اللقاء الإيجابي والمثمر بين الناس.

إذن في البداية كان الناس أمّة واحدة، ثم كان الانفصال والانعزال والاختلاف، فتبلورت شخصيات الأمم، ثم عاد الناس إلى الاختلاط والتعارف، وسقطت الحواجز. ويبدو أنّ هذا الاتجاه سيستمر إلى يوم القيامة، حيث جاء في الآية 99 من سورة الكهف"..وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا"، ويبدو أنّ المقصود هنا مجموع البشر. على ضوء ذلك يمكن تلخيص تاريخ البشريّة في مراحل ثلاث:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت