{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكمًا شرعيًّا كما جاء في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سدد خطاكم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 221 «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم» وعن سهل بن سعد الساعدي سدد خطاكم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: 222 «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» أخرجاه ثم ورد في الأحاديث الصحاح النهي عن الوصال. وهو: أن يَصلَ يومًا بيوم آخر ولا يأكل بينهما شيئًا. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 223 «لا تواصلوا» . قالوا: يا رسول الله إنك تواصل. قال: «فإني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» قال: فلم ينتهوا عن الوصال. فواصل بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يومين وليلتين ثم رأوا الهلال، فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمنكّل لهم، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به. فقد ثبت النهي عنه أنه من خصائصه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأنه كان يقوَّى على ذلك ويُعَان. والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويًّا لا حسيًّا وإلَّا فلا يكون مواصلًا مع الحسي. ولكن لا بأس من الوصال إلى السحر: لبعض حديث رواه أبو سعيد الخدري سدد خطاكم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 224: «لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر ... » أخرجاه في الصحيحين. وقوله ـ تعالى ـ: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فقد كان المعتكفون في المساجد يخرجون منها ويجامعون إن شاءوا، حتى نزلت هذه الآية فمنعوا من ذلك ليلًا أو نهارًا حتى يقضوا اعتكافهم. أي لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد. ولذا فإن المعتكف يحرم عليه النساء مادام معتكفًا في المسجد ولو ذهب إلى منزله لحاجة لابدَّ له منها أن يثبت فيه إلَّا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط أو الأكل وليس له أن يقبل امرأته ولا أن يضمها إليه ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه.
فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها -، أنها قالت: 225 «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُدني إليَّ رأسه فأرجله وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان. قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت فما أِسأل عنه إلا وأنا مارة» .
وفي ذِكْرهِ ـ تعالى ـ الاعتكافَ بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر رمضان كما ثبت في السنَّة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 226 «أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى تَوَفَّاهُ الله - عز وجل - ثم اعتكف أزواجه من بعده» أخرجاه. وقوله ـ تعالى ـ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} أي هذا الذي بيَنَّاه وفرضناه وحدَّدْناه من الصيام وأحكامه، وما أبحنا فيه وما حرَّمنا، وذكرنا غاياته، ورخصه وعزائمه، وحدود الله، أي شرعها الله وبيَّنها بنفسه، فلا تقربوها أي لا تجاوزوها وتتعدوها {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} أي: كما بَيَّن الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي يعرفون كيف يهتدون وكيف يطيعون. كما قال ـ تعالى ـ: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} .
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بيَّنَةٍ، فيجحد المال يخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم أكل الحرام. وقال بعض السلف: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: 227 «ألا إنما أنا بَشَرٌ يأتيني الخصم فلَعَلَّ بعضكم أن يكون ألحن بِحُجَّتِهِ من بعضٍ فأقضي له. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعةٌ من نار» .
كتاب الصيام
من صَحيْح البُخَارِيَّ
لِلإمَامِ أبي عَبْدِ اللهِ محمَّد بْنِ إسْمَاعِيْل البخَاريَّ الجعفيَّ
ضَبَطَهُ، وَرَقَّمَهُ، وَذَكَرَ تكرار مَوَاضعه، وَشَرَحَ ألفَاضَهُ وَجُمَلَهُ وَخَرَّجَ أحَاديثَهُ في صَحِيْحِ مُسْلِم، وَوَضَعَ فَهَارِسَهُ
الدكتور / مصطفى دِيْب البُغا
دكتورَاه في الشَّرِيْعَةِ الإسلاميَّةِ من جَامِعَةِ الأزهر
أستَاذ الحَديث وَعُلُومه في كليَّةَّ الشَّريعَةِ - جَامعِة دمِشق
كتابُ الصْوم
1 ـ باب وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ.