وكان السبب في نزول هذه الآية كما تَقَدَّمَ: 213 «إن الرجل من الصحابة ـ وذلك قبل افتراض رمضان ـ إذا كان صائمًا فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما وكان يومه ذلك يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندكم طعام؟ قالت: لا، ولكن انطلقْ فاطلب لك، فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته نائمًا قالت: خيبة لك أنمْتَ؟ فلما انتصف النهار غُشيَ عليه فَذُُكِرَ ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إلى قوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ففرحوا فرحًا شديدًا» وقوله ـ تعالى ـ: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} وأسباب نزول هذا حال قيس بن صرمة المذكور آنفًا 214 «ثم إن هناك رجالًا من المسلمين كانوا يختانون أنفسهم أي يجامعون نساءهم في شهر رمضان بعد العشاء وبعدما ينامون وكان منهم عمر بن الخطاب وكان ذلك العمل ممنوعًا كما تقدَّم إذ كان المسلمون قبل ذلك إذا صلَّوا العشاء حَرُم عليهم النساء والطعام إلى مثلها في القابلة، فشكوا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله ـ تعالى ـ: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} يعني تجامعوهن وتأكلون وتشربون بعد العشاء {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} يعني جامعوهن {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} يعني الولد، {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فكان ذلك عفوًا من الله ورحمة، فأباح الطعام والشراب والنكاح في جميع الليل رحمةً ورُخْصَةً ورفْقًا» وقوله: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي ابتغوا الرخصة التي كتب لكم ولكن تفسيرها بالولد أصح. قوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} أي إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وليرتفع الالتباس. قال: {مِنَ الْفَجْرِ} .
وروى البخاري بسنده عن عدي بن حاتم قال: 215 «قلت يا رسول الله: ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان؟ قال: «إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين» ثم قال: «لا بل هو سواد الليل وبياض النهار» .
وفي إباحته ـ تعالى ـ جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب، وحَثَّتِ السنَّة على السحور. ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 216 «تَسَحَّروا فإن في السحور بركة» وقد وردت أحاديث كثيرة: 217 «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سَمَّاه الغداء المبارك» وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: 218 «لا يمنعنكم أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» .
مسألة: ومِنْ جعله ـ تعالى ـ الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام يستدل على أنه من أصبح جُنُبًا فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سَلَفًا وخَلَفًا، ولما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما - أنهما قالتا: 219 «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم» وفي حديث أم سلمة عندها: 220 «ثم لا يفطر ولا يقضي» .