فهرس الكتاب
ووجوب القضاء إذا كان الترك بغير تفريط يفتقر إلى دليل، ولأنه لو وجب القضاء أو استحب إذا بلغ رؤيته المكان البعيد، أو رؤيته النفر القليل في أثناء الشهر لا يستحب الصوم يوم الشك مع الصحو، بل يوم الثلاثين مطلقًا، لأنه يمكن أن يخبر القليل أو البعيد برؤيته في أثناء الشهر فيستحب الصوم احتياطًا، وما من شيء في الشريعة يمكن وجوبه، إلاَّ والاحتياط مشروع في أدائه. فلما لم يشرع الاحتياط في أدائه، قطعنا بأنه لا وجوب مع بعد الرائي، أو خفائه، حتى يكون الرائي قريبًا ظاهرًا، فتكون رؤيته إهلالًا يظهر به الطلوع. وقد يحتج بهذا من لم يحتط في الغيم.
ولكن يجاب عنه بأن طلوعه، هذا مثال ظاهر أو مساو، وإنما الحاجب مانع، كما لو كانوا ليلة الثلاثين في مغارة، أو مطمورة، وقد تعذر الترائي.
ولأن الذين لم يوجبوا التبييت: أصل مأخذهم إجزاء يوم الشك، فإن بلوغ الرؤية قبل الزوال كثير، كيوم عاشوراء، وإيجاب القضاء فيه عسر لكثرة وقوع مثل ذلك، وعدم شهرة وجوب القضاء في السلف.
وجواب هذا أنه لا يلزم من وجوب الإمساك وجوب القضاء، فإنه لا وجوب إلاَّ من حين الإهلال والرؤية، لا من حين الطلوع، ولأنَّ الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر يدل على هذا، لأن ما ذكره إذا لم يبلغ الخبر إلَّا بعد مضي الشهر لم يبق فيه فائدة إلَّا وجوب القضاء، فعلم أن القضاء لا يجب برؤية بعيدة مطلقًا.
فتلخص: أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدي بتلك الرؤية الصوم، أو الفطر، أو النسك، وجب اعتبار ذلك بلا شك، والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك.
ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم، فقوله: مخالف للعقل والشرع.
ومن لم يبلغه إلَّا بعد الأداء، وهو مما لا يقضى كالعيد المفعول، والنسك فهذا لا تأثير له، وعليه الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر.
وأما إذا بلغه في أثناء المدة: فهل يؤثر في وجوب القضاء؟ وفي بناء الفطر عليه، وكذلك في بقية الأحكام: من حلول الدين، ومدة الإيلاء وانقضاء العدة ونحو ذلك. والقضاء يظهر لي أنه لا يجب وفي بناء الفطر عليه نظر.
فهذا متوسط في المسألة: وما من قول سواه إلَّا وله لوازم شنيعة لا سيما من قال بالتعدد، فإنه يلزمه في المناسك ما يعلم به خلاف دين الإسلام، إذا رأى بعض الوفود، أو كلهم الهلال، وقدموا مكة، ولم يكن قد رئي قريبًا من مكة، ولما ذكرناه من فساده صار متنوعًا، والذي ذكرناه يحصل به الاجتماع الشرعي، كل قوم على ما أمكنهم الاجتماع عليه، وإذا خالفهم من لم يشعروا بمخالفته لانفراده من الشعور بما ليس عندهم لم يضر هذا، وإنما الشأن من الشعور بالفرقة والاختلاف.
وتحقيق ذلك العلم بالأهلة، فقال ـ تعالى ـ: {هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} وهذا يدل على أنه أراد المعلوم ببصر، أو سمع، ولهذا ذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين: إلى أنه إذا كانت السماء مصحية ولم يحصل أحد على الرؤية أنه ليس بشك، لانتفاء الشك في الهلال، وإن وقع شك في الطلوع. وذلك من وجهين:
أحدهما: أن الهلال على وزن فعال. وهذا المثال في كلام العرب لما يفعل به كالإزار، لما يؤتزر به. والرداء: لما يرتدى به، والركاب: لما يركب به، والوعاء: لما يوعى فيه وبه، والسماد لما تسمد به الأرض والعصاب: لما يعصب به، والسداد: لما يسد به، وهذا كثير مطرد في الأسماء.
فالهلال اسم لما يهل به: أي يصات به، والتصويت به لا يكون إلاَّ مع إدراكه ببصر أو سمع، ويدل عليه قول الشاعر:
يهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر
أي: يصوتون بالفرقد، فجعلهم مهلين به، فلذلك سمي هلالًا. ومنه قوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} أي صوت به، وسواء كان التصويت به رفيعًا أو خفيضًا، فإنه مما تكلم به، وجهر به لغير الله. ونطق به.
الوجه الثاني: أنه جعلها مواقيت للناس، ولا تكون مواقيت لهم إلَّا إذا أدركوها ببصر أوسمع، فإذا انتفى الإدراك انتفى التوقيت، فلا تكون أهلة، وهو غاية ما يمكن ضبطه من جهة الحس، إذ ضبط مكان الطلوع بالحساب لا يصح أصلًا، وقد صنفت في ذلك شيئًا.
وهذه المسألة تنبني عليه أيضًا، فإنه ليس في قوى البشر أن يضبطوا للرئية زمانًا ومكانًا محدودًا، وإنما يضبطون ما يدركونه بأبصارهم أو ما يسمعونه بآذانهم، فإذا كان الواجب تعليقه في حق من رأي بالرؤية، ففي حق من لم ير بالسماع، ومن لا رئية له ولا سماع، فلا إهلال له، والله هو المسؤول أن يتم نعمته علينا وعلى المسلمين.
وسُئِلَ قدَّس الله روحه / عن رجل رأى الهلال وحده، وتحقق الرؤية: فهل له أن يفطر وحده؟ أو يصوم وحده؟ أو مع جمهور الناس؟
فأجاب:
الحمد لله. إذا رأى هلال الصوم وحده، أو هلال الفطر وحده، فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه أو يفطر برؤية نفسه؟ أم لا يصوم ولا يفطر إلاَّ مع الناس؟ على ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد:
أحدها: أن عليه أن يصوم، وأن يفطر سرًا، وهو مذهب الشافعي.