فهرس الكتاب
وكذلك إذا شهد بالرؤية نهار تلك الليلة إلى الغروب. فعليهم إمساك ما بقي، سواء كان من إقليم أو إقليمين.
والاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد. فأما إذا بلغتهما الرؤية بعد غروب الشمس، فالمستقبل يجب صومه بكل حال، لكن اليوم الماضي: هل يجب قضاؤه؟ فإنه قد يبلغهم في أثناء الشهر أنه رئي بإقليم آخر، ولم ير قريبًا منهم، الأشبه أنه إن رئي بمكان قريب، وهو ما يمكن أن يبلغهم خبره في اليوم الأول فهو كما لو رئي في بلدهم ولم يبلغهم.
وأما إذا رئي بمكان لا يمكن وصول خبره إليهم إلاَّ بعد مضي الأول فلا قضاء عليهم، لأن صوم الناس هو اليوم الذي يصومونه، ولا يمكن أن يصوموا إلاَّ اليوم الذي يمكنهم فيه رؤية الهلال، وهذا لم يكن يمكنهم فيه بلوغه، فلم
يكن يوم صومهم، وكذلك في الفطر والنسك، لكن هؤلاء هل يفطرون إذا ثبت عندهم في أثناء الشهر أنه رئي بناء على تلك الرؤية؟ لكن إن بلغتهم بخبر واحد لم يفطروا، لأنه قد ثبت عندهم في أثناء ما يفطرون به، ولا يقضون اليوم الأول، فيكون صومهم تسعة وعشرين كما يقوله من يقول بالمطالع، إذا صام برؤية مكان ثم سافر إلى مكان تقدمت رؤيتهم، فإنه يفطر معهم، ولا يقضي اليوم الأول.
وإن تأخرت رؤيتهم فهنا اختلفت نقول أصحابنا، إن قالوا يفطر وحده، فهو كما لو رآه عندهم لم يفطر وحده عندنا على المشهور، وإن صام معهم فقد صام إحدى وثلاثين يومًا.
والأشبه أن هذه المسألة يخرج فيها لأصحابنا قولان كالمنفرد برؤيته في الفطر لأن انفراد الرجل بالفطر هو المحذور في الموضعين، ورؤية أهل بلد دون غيرهم كرؤيته ورؤية طائفة معه دون غيرهم. وأما هلال الفطر فإذا ثبتت رؤيته في اليوم عملوا بذلك، وإن كان بعد ذلك لم يكن فيه فائدة ـ بل العيد هو اليوم الذي عيده الناس ـ ولكن نقل التاريخ.
فالضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله «صوموا لرؤيته» فمن بلغه أنه رئي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلًا، وهذا يطابق ما ذكره ابن عبد البر، في أن طرفي المعمورة لا يبلغ الخبر فيهما إلاَّ بعد شهر فلا فائدة فيه، بخلاف الأماكن الذي يصل الخبر فيه قبل انسلاخ الشهر، فإنها محل الاعتبار. فتدبر هذه المسائل الأربعة: وجوب الصوم، والإمساك، ووجوب القضاء، ووجوب بناء العيد على تلك الرؤية، ورؤية البعيد، والبلاغ في الوقت بعد انقضاء العبادة.
ولهذا قالوا: إذا أخطأ الناس كلهم فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم اعتبارًا بالبلوغ، وإذا أخطأه طائفة منهم لم يجزهم لإمكان البلوغ، فالبلوغ هو المعتبر، سواء كان علم به للبعد، أو للقلة، وهذا الذي ذكرته هو الذي ذكره أصحابنا إلَّا وجوب القضاء إذا لم يكن مما يمكنهم فيه بلوغ الخبر.
والحجة فيه أنا نعلم بيقين أنه ما زال في عهد الصحابة والتابعين يرى الهلال في بعض أمصار المسلمين بعد بعض، فإن هذا من الأمور المعتادة التي لا تبديل لها، ولا بد أن يبلغهم الخبر في أثناء الشهر فلو كانوا يجب عليهم القضاء لكانت هممهم تتوفر على البحث عن رؤيته في سائر بلدان الإسلام، كتوفرها على البحث عن رؤيته في بلده، ولكان القضاء يكثر في أكثر الرمضانات، ومثل هذا لو كان لنُقِل، ولما لم ينقل دل على أنه لا أصل له، وحديث ابن عباس يدل على هذا.
وقد أجاب أصحابنا بأنه إنما لم يفطر، لأنه لم يثبت عنده إلاَّ بقول واحد، فلا يفطر به، ولا يقال أصحابنا كذلك أيضًا لم ينقل أنهم كانوا إذا بلغهم الهلال في أثناء الشهر بنوا فطرهم عليه.
قلنا: لأن ذاك أمر لا تتعلق الهمم بالبحث عنه، لأن فيه ترك صوم يوم، فإن ثبت عندهم، وإلا فالاحتياط الصوم، لأن ذاك الخبر قد يكون ضعيفًا، مع أن هذه المسألة فيها نظر.
ولو قيل: إذا بلغهم الخبر في أثناء الشهر لم يبنوا إلاَّ على رؤيتهم، بخلاف ما إذا بلغهم في اليوم الأول لكان له وجه، بل الرؤية القليلة لو لم تبلغ الإنسان إلاَّ في أثناء الشهر ففي وجوب قضاء ذلك اليوم نظر وإن كان يفطر بها، لأن قوله: «صومكم يوم تصومون» دليل على أن ذلك لم يكن يوم صومنا، ولأن التكليف يتبع العلم، ولا علم ولا دليل ظاهر، فلا وجوب، وطرد هذا أن الهلال إذا ثبت في أثناء يوم قبل الأكل أو بعده أتموا وأمسكوا، ولا قضاء عليهم، كما لو بلغ صبي أو أفاق مجنون على أصح الأقوال الثلاثة.
فقد قيل: يمسك، ويقضي. وقيل: لا يجب واحد منهما. وقيل: يجب الإمساك دون القضاء.
فإن الهلال مأخوذ من الظهور، ورفع الصوت، فطلوعه في السماء إن لم يظهر في الأرض فلا حكم له لا باطنًا ولا ظاهرًا، واسمه مشتق من فعل الآدميين يقال: أهللنا الهلال، واستهللنا، فلا هلال إلاَّ ما استهل، فإذا استهله الواحد والاثنان فلم يخبرا به فلم يكن ذاك هلالًا، فلا يثبت به حكم حتى يخبرا به، فكون خبرهما هو الإهلال الذي هو رفع الصوت بالإخبار به، ولأن التكليف يتبع العلم، فإذا لم يمكن علمه لم يجب صومه.