فهرس الكتاب
أحدها: أنه لا يجزيه، إلاَّ أن ينوي رمضان، فإن صام بنية مطلقة، أو معلقة، أو بنية النفل أو النذر، لم يجزئه ذلك كالمشهور من مذهب الشافعي، وأحمد في إحدى الروايات.
والثاني: يجزئه مطلقًا كمذهب أبي حنيفة.
والثالث: أنه يجزئه بنية مطلقة، لا بنية تعيين، غير رمضان، وهذه الرواية الثالثة عن أحمد، وهي اختيار الخرقي، وأبي البركات.
وتحقيق هذه المسألة: أن النية تتبع العلم، فإن علم أن غدًا من رمضان.
فلا بد من التعيين في هذه الصورة. فإن نوى نفلًا أو صومًا مطلقًا لم يجزه، لأن الله أمره أن يقصد أداء الواجب عليه، وهو شهر رمضان الذي علم وجوبه، فإذا لم يفعل الواجب لم تبرأ ذمته.
وأما إذا كان لا يعلم أن غدًا من شهر رمضان، فهنا لا يجب عليه التعيين، ومن أوجب التعيين مع عدم العلم فقد أوجب الجمع بين الضدين.
فإذا قبل أنه يجوز صومه وصام في هذه الصورة بنية مطلقة، أو معلقة أجزأه. وأما إذا قصد صوم ذلك تطوعًا، ثم تبين أنه كان من شهر رمضان، فالأشبه أنه يجزئه أيضًا، كمن كان لرجل عنده وديعة، ولم يعلم ذلك، فأعطاه ذلك على طريق التبرع، ثم تبين أنه حقه، فإنه لا يحتاج إلى إعطائه ثانيًا، بل يقول ذلك الذي وصل إليك هو حق كان لك عندي، والله يعلم حقائق الأمور. والرواية التي تروى عن أحمد أن الناس فيه تبعٌ للإمام في نيته، على أن الصوم والفطر بحسب ما يعلمه الناس، كما في السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون»
وقد تنازع الناس في «الهلال» : هل هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يره أحد؟ أو لا يسمى هلالًا حتى يستهل به الناس ويعلموه؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره.
وعلى هذا ينبني النزاع فيما إذا كانت السماء مطبقة بالغيم، أو في يوم الغيم مطلقًا. هل هو يوم شك؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره:
أحدها: إنه ليس بشك، بل الشك إذا أمكنت رؤيته، وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي، وغيرهم.
والثاني: أنه شك لإمكان طلوعه.
والثالث: أنه من رمضان حكمًا، فلا يكون يوم شك، وهو اختيار طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم.
وقد تنازع الفقهاء في المنفرد برئية هلال الصوم والفطر، هل يصوم ويفطر وحده، أو لا يصوم ولا يفطر إلاَّ مع الناس؟ أو يصوم وحده ويفطر مع الناس؟ على ثلاثة أقوال، معروفة في مذهب أحمد وغيره.
وقال - رحمه الله:
فصل: مسألة رئية بعض البلاد رئية لجميعها: فيها اضطراب، فإنه قد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه، فأمَّا ما كان مثل الأندلس وخراسان فلا خلاف أنه لا يعتبر.
قلت: أحمد اعتمد في الباب على حديث الأعرابي الذي شهد أنه أهل الهلال البارحة، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس على هذه الرؤية، مع أنها كانت في غير البلد، وما يمكن أن تكون فوق مسافة القصر، ولم يستفصله، وهذا الاستدلال لا ينافى ما ذكره ابن عبد البر، لكن ما حد ذلك؟
والذين قالوا: لا تكون رؤية لجميعها، كأكثر أصحاب الشافعي، منهم من حدد ذلك بمسافة القصر، ومنهم من حدد ذلك بما تختلف فيه المطالع: كالحجاز مع الشام، والعراق مع خراسان، وكلاهما ضعيف، فإن مسافة القصر لا تعلق لها بالهلال. وأما الأقاليم فما حدد ذلك؟ ثم هذان خطأ من وجهين: أحدهما: أن الرؤية تختلف باختلاف التشريق، والتغريب، فإنه متى رئي في المشرق وجب أن يرى في المغرب ولا ينعكس، لأنه يتأخر غروب الشمس بالمغرب، عن وقت غروبها بالمشرق، فإذا كان قد رئي ازداد بالمغرب نورًا وبعدًا عن الشمس وشعاعها وقت غروبها، فيكون أحق بالرؤية، وليس كذلك إذا رئي بالمغرب، لأنه قد يكون سبب الرؤية تأخر غروب الشمس عندهم فازداد بعدًا وضوءًا ولما غربت بالمشرق كان قريبًا منها. ثم إنه لما رئي بالمغرب كان قد غرب عن أهل المشرق، فهذا أمر محسوس في غروب الشمس والهلال، وسائر الكواكب، ولذلك إذا دخل وقت المغرب بالمغرب دخل بالمشرق، ولا ينعكس، وكذلك الطلوع إذا طلعت بالمغرب طلعت بالمشرق، ولا ينعكس، فطلوع الكواكب وغروبها بالمشرق سابق.
وأما الهلال فطلوعه ورؤيته بالمغرب سابق، لأنه يطلع من المغرب، وليس في السماء ما يطلع من المغرب غيره، وسبب ظهوره بعده عن الشمس، فكلما تأخر غروبها ازداد بعده عنها، فمن اعتبر بعد المساكن مطلقًا فلم يتمسك بأصل شرعي، ولا حسي.
وأيضًا فإن هلال الحج: مازال المسلمون يتمسكون فيه برئية الحجاج القادمين، وإن كان فوق مسافة القصر.
الوجه الثاني: أنه إذا اعتبرنا حدًا: كمسافة القصر، أو الأقاليم، فكان رجل في آخر المسافة والإقليم فعليه أن يصوم ويفطر وينسك وآخر بينه وبينه غلوة سهم لا يفعل شيئًا من ذلك، وهذا ليس من دين المسلمين.
فالصواب في هذا ـ والله أعلم ـ ما دل عليه قوله: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون» فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد، وجب الصوم.