الصفحة 51 من 214

وأما القول الثالث: فالفرض لا يجزئ إلاَّ بتبييت النية، كما دل عليه حديث حفصة وابن عمر، لأن جميع الزمان يجب فيه الصوم، والنية لا تنعطف على الماضي، وأما النفل فيجزئ بنية من النهار. كما دل عليه قوله: «إني إذًا صائم» كما أن الصلاة المكتوبة يجب فيها من الأركان - كالقيام والاستقرار على الأرض - ما لا يجب في التطوع توسيعًا من الله على عباده في طرق التطوع. فإن أنواع التطوعات دائمًا أوسع من أنواع المفروضات، وصومهم يوم عاشوراء إن كان واجبًا: فإنما وجب عليهم من النهار، لأنهم لم يعلموا قبل ذلك، وما رواه بعض الخلافيين المتأخرين أن ذلك كان في رمضان: فباطل لا أصل له.

وهذا أوسط الأقوال: وهو قول الشافعي وأحمد. واختلف قولهما: هل يجزيء التطوع بنية بعد الزوال؟ والأظهر صحته، كما نقل عن الصحابة.

واختلف أصحابهما في الثواب: هل هو ثواب يوم كامل؟ أو من حين نواه؟ والمنصوص عن أحمد: أن الثواب من حين النية.

وكذلك اختلفوا في التعيين. وفيه ثلاثة أقوال ـ في مذهب أحمد وغيره ـ:

أحدها: أنه لا بد من نية رمضان، فلا تجزئ نية مطلقة، ولا معينة لغير رمضان. وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، اختارها كثير من أصحابه.

والثاني: أنه يجزئ بنية مطلقة ومعينة لغيره. كمذهب أبي حنيفة ورواية محكية عن أحمد.

والثالث: أنه يجزئ بالنية المطلقة، دون نية التطوع أو القضاء أو النذر. وهو رواية عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه.

فصل: وأختلفوا في صوم يوم الغيم: وهو ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم، أو قتر، ليلة الثلاثين من شعبان.

فقال قومٌ: يجب صومه بنية من رمضان احتياطًا. وهذه الرواية عن أحمد. وهي التي اختارها أكثر متأخري أصحابه، وحكوها عن أكثر متقدميهم، بناء على ما تأولوه من الحديث، وبناء على أن الغالب على شعبان هو النقص، فيكون الأظهر طلوع الهلال. كما هو الغالب، فيجب بغالب الظن.

وقالت طائفة: لا يجوز صومه من رمضان. وهذه رواية عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه. كابن عقيل والحلواني. وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، استدلالًا بما جاء من الأحاديث، وبناء على أن الوجوب لا يثبت بالشك.

وهناك قول ثالث: وهو أنه يجوز صومه من رمضان ويجوز فطره: والأفضل صومه من وقت الفجر. ومعلوم أنه لو عرف وقت الفجر الذي يجوز فيه طلوعه جاز له الإمساك، والأكل، وإن أمسك وقت الفجر، فإنه لا معنى لاستحباب الإمساك لكن [1] وأكثر نصوص أحمد إنما تدل على هذا القول، وأنه كانت يستحب صومه ويفعله، لا أنه يوجبه، وإنما أخذ في ذلك بما نقله عن الصحابة في مسائل ابنه عبد الله، والفضل بن زياد القطان، وغيرهم، أخذ بما نقله عن عبد الله بن عمر ونحوه.

والمنقول عنهم: أنهم كانوا يصومون في حال الغيم، لا يوجبون الصوم، وكان غالب الناس لا يصومون، ولم ينكروا عليهم الترك.

وإنما لم يستحب الصوم في الصحو، بل نهى عنه: لأن الأصل والظاهر عدم الهلال، فصومه تقديم لرمضان بيوم. وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.

واختلفت الرواية عنه: هل يسمى يوم الغيم يوم شكَّ؟ على روايتين. وكذلك اختلف أصحابه في ذلك.

وأما يوم الصحو عنده: فيوم شك أو يقين من شعبان، ينهى عن صومه بلا توقف. وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره، فإن المشكوك في وجوبه ـ كما لو شك في وجوب زكاة، أو كفارة أو صلاة، أو غير ذلك ـ لا يجب فعله ولا يستحب تركه، بل يستحب فعله احتياطًا، فلم تحرم أصول الشريعة الاحتياط، ولم توجب بمجرد الشك.

وأيضًا: فإن أول الشهر كأول النهار. ولو شك في طلوع النهار لم يجب عليه الإمساك، ولم يحرم عليه الإمساك بقصد الصوم، ولأن الإغمام أول الشهر كالإغمام بالشك، بل ينهى عن صوم يوم الشك، لما يخاف من الزيادة في الفرض.

وعلى هذا القول: يجتمع غالب المأثور عن الصحابة في هذا الباب. فإن الجماعات الذين صاموا منهم ـ كعمر وعلي ومعاوية وغيرهم ـ لم يصرحوا بالوجوب، وغالب الذين أفطروا لم يصرحوا بالتحريم. ولعل من كره الصوم منهم إنما كرهه لمن يعتقد وجوبه: خشية إيجاب ما ليس بواجب. كما كره من كره منهم الاستنجاء بالماء لمن خيف عليه أن يعتقد وجوبه، وكما أمر طائفة منهم من صام في السفر أن يقضي، لما ظنوه به من كراهة الفطر في السفر، فتكون الكراهة عائدة إلى حال الفاعل، لا إلى نفس الاحتياط بالصوم. فإن تحريم الصوم أو إيجابه كلاهما فيه بعد عن أصول الشريعة.

والأحاديث المأثورة في الباب إذا تؤملت إنما يصرح غالبها بوجوب الصوم بعد إكمال العدة. كما دل بعضها على الفعل قبل الإكمال. أما الإيجاب قبل الإكمال للصوم ففيهما نظر.

فهذا القول المتوسط هو الذي يدل عليه غالب نصوص أحمد.

ولو قيل: بجواز الأمرين واستحباب الفطر لكان [2] عن التحريم والإيجاب، ويؤثر عن الصديق سدد خطاكم أنهم كانوا يأكلون مع الشك في طلوع الفجر.

وقال شيخ الإسلام ـ قدَّس الله روحه ـ:

(1) بياض في الأصل.

(2) بياض في الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت