فهرس الكتاب
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، وجعله تبيانًا لكل شيء، وذكرى لأولي الألباب. وأمرنا بالاعتصام به إذ هو حبله الذي هو أثبت الأسباب، وهدانا به إلى سبل الهدى ومناهج الصواب، وأخبر فيه أنه: {جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} .
وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له رب الأرباب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بجوامع الكلم، والحكمة وفصل الخطاب، صلى الله عليه وعلى آله صلاة دائمة باقية بعد إلى يوم المآب.
أما بعد: فإن الله قد أكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينًا. وأمرنا أن نتبع صراطه المستقيم، ولا نتبع السبل فتفرق بنا عن سبيله وجعل هذه الوصية خاتمة وصاياه العشر، التي هي جوامع الشرائع التي تضاهي الكلمات التي أنزلها الله على موسى في التوراة، وإن كانت الكلمات التي أنزلت علينا أكمل وأبلغ، ولهذا قال الربيع بن خثيم: من سره أن يقرأ كتاب محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يفض خاتمه بعده، فليقرآ آخر سورة الأنعام: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآيات.
وأمرنا أن لا نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وأخبر رسوله أن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء. وذكر أنه جعله على شريعة من الأمر وأمره أن يتبعها، ولا يتبع سبيل الذين لا يعلمون. وقال ـ تعالى ـ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ ?} فأمره أن لا يتبع أهواهم عما جاءه من الحق، وإن كان ذلك شرعًا أو طريقًا لغيره من الأنبياء فإنه قد جعل لكل نبي سنة وسبيلًا، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، فإذا كان هذا فيما جاءت به شريعة غيره، فكيف بما لا يعلم أنه جاءت به شريعة، بل هو طريقة من لا كتاب له.
وأمره وإيانا في غير موضع أن نتبع ما أُنزل إلينا، دون ما خالفه فقال: {المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}
وبين حال الذين ورثوا الكتاب فخالفوه، والذين استسكوا به فقال: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} إلى قوله: {? ? بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا ? ? ? ?} وقال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} الآيات. وقال {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} وقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} وحبل الله كتابه، كما فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ} إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي أجمع المسلمون على اتباعها. وهذا مما لم يختلف المسلمون فيه جملة.
ولكن قد يقع التنازع في تفصيله فتارة يكون بين العلماء المعتبرين في «مسائل الاجتهاد» وتارة يتنازع فيه قوم جهال بالدين أو منافقون أو سماعون للمنافقين. فقد أخبر الله ـ سبحانه ـ أن فينا قومًا سماعين للمنافقين يقبلون منهم، كما قال: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ} وإنما عداه باللام، لأنه متضمن معنى القبول والطاعة، كما قال الله على لسان عبده: «سمع الله لمن حمده» أي استجاب لمن حمده وكذلك «سماعون لهم» أي مطيعون لهم. فإذا كان في الصحابة قوم سماعون للمنافقين فكيف بغيرهم؟!