الصفحة 54 من 214

فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رئية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإِيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز. والنصوص المستفيضة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك كثيرة. وقد أجمع المسلمون عليه. ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلًا، ولا خلاف حديث؛ إلاَّ أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلَّا فلا. وهذا القول وإن كان مفيدًا بالإِغمام ومختصًا بالحاسب فهو شاذ، مسبوق بالإِجماع على خلافه. فأما اتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم.

وقد يقارب هذا قول من يقول من الإِسماعيلية بالعدد دون الهلال، وبعضهم يروي عن جعفر الصادق جدولًا يعمل عليه، وهو الذي افتراه عليه عبدالله بن معاوية، وهذه الأقوال خارجة عن دين الإِسلام، وقد برأ الله منها جعفرًا وغيره. ولا ريب أن أحدًا لا يمكنه مع ظهور دين الإسلام أن يظهر الاستناد إلى ذلك. إلاَّ أنه قد يكون له عمدة في الباطن في قبول الشهادة وردها، وقد يكون عنده شبهة في كون الشريعة لم تعلق الحكم به، وأنا إن شاء الله أبين ذلك وأوضح ما جاءت به الشريعة: دليلًا وتعليلًا، شرعًا وعقلًا.

قال الله ـ تعالى ـ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} فأخبر أنها مواقيت للناس، وهذا عام في جميع أمورهم، وخص الحج بالذكر تمييزًا له، ولأن الحج تشهده الملائكة وغيرهم، ولأنه يكون في آخر شهور الحول. فيكون علمًا على الحول، كما أن الهلال علم على الشهر، ولهذا يسمون الحول حجة، فيقولون: له سبعون حجة، وأقمنا خمس حجج. فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع ابتداء. أو سببًا من العبادة. وللأحكام التي تثبت بشروط العبد. فما ثبت من المؤقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له، وهذا يدخل فيه الصيام والحج، ومدة الإيلاء والعدة وصوم الكفارة، وهذه الخمسة في القرآن.

قال الله ـ تعالى ـ: {شَهْرُ رَمَضَانَ} وقال ـ تعالى ـ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} وقال ـ تعالى ـ: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} وقال ـ تعالى ـ: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} وكذلك قوله: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} وكذلك صوم النذر وغيره. وكذلك الشروط من الأعمال المتعلقة بالثمن، ودين السلم، والزكاة، والجزية، والعقل، والخيار، والأيمان، وأجل الصداق، ونجوم الكتابة، والصلح عن القصاص، وسائر ما يؤجل من دين وعقد وغيرهما.

وقال ـ تعالى ـ: {? ? ? ? ? ? ?} وقال ـ تعالى ـ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا } فقوله: {لِتَعْلَمُوا} متعلق والله أعلم بقوله {وَقَدَّرَهُ} لا بـ {جَعَلَ} ، لأن كون هذا ضياء. وهذا نورًا لا تأثير له في معرفة عدد السنين والحساب، وإنما يؤثر في ذلك انتقالهما من برج إلى برج. ولأن الشمس لم يعلق لنا بها حساب شهر، ولا سنة، وإنما علق ذلك بالهلال. كما دلت عليه تلك الآية، ولأنه قد قال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} فأخبر أن الشهور معدودة اثنا عشر، والشهر هلالي بالاضطرار، فعلم أن كل واحد منها معروف بالهلال.

وقد بلغني أن الشرائع قبلنا أيضًا إنما علقت الأحكام بالأهلة، وإنما بدل من بدل من أتباعهم، كما يفعله اليهود في اجتماع القرصين، وفي جعل بعض أعيادهم بحساب السنة الشمسية، وكما تفعله النصارى في صومها حيث تراعي الاجتماع القريب من أول السنة الشمسية، وتجعل سائر أعيادهم دائرة على السنة الشمسية بحسب الحوادث التي كانت للمسيح، وكما يفعله الصابئة والمجوس وغيرهم من المشركين في اصطلاحات لهم، فإن منهم من يعتبر بالسنة الشمسية فقط، ولهم اصطلاحات في عدد شهورها، لأنها وإن كانت طبيعة، فشهرها عددي وضعي. ومنهم من يعتبر القمرية لكن يعتبر اجتماع القرصين، وما جاءت به الشريعة هو أكمل الأمور وأحسنها وأبينها وأصحها وأبعدها من الاضطراب.

وذلك أن الهلال أمر مشهود مرئي بالأبصار. ومن أصح المعلومات ما شوهد بالأبصار، ولهذا سموه هلالًا، لأن هذه المادة تدل على الظهور والبيان: إما سمعًا وإما بصرًا، كما يقال: أهلَّ بالعمرة، وأهلَّ بالذبيحة لغير الله إذا رفع صوته، ويقال لوقع المطر الهلل. ويقال: أستهلَّ الجنين إذا خرج صارخًا ويقال: تهلل وجهه إذا استنار وأضاء.

وقيل: إن أصله رفع الصوت. ثم لما كانوا يرفعون أصواتهم عند رؤيته سموه هلالًا، ومنه قوله: ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت