فهرس الكتاب
يهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر
وتهلل الوجه مأخوذ من استنارة الهلال.
فالمقصود أن المواقيت حددت بأمر ظاهر بين يشترك فيه الناس ولا يشرك الهلال في ذلك شيء، فإن اجتماع الشمس والقمر الذي هو تحاذيهما الكائن قبل الهلال: أمر خفي لا يُعرف لا بحساب ينفرد به بعض الناس، مع تعب وتضييع زمان كثير، واشتغال عما يعني الناس، وما لابد له منه، وربما وقع فيه الغلط والاختلاف.
وكذلك كون الشمس حاذت البرج الفلاني، أو الفلاني، هذا أمر لا يدرك بالأبصار، وإنما يدرك بالحساب الخفي الخاص المشكل الذي قد يغلط فيه، وإنما يعلم ذلك بالإحساس تقريبًا. فإنه إذا انصرم الشتاء، دخل الفصل الذي تسميه العرب الصيف، ويسميه الناس الربيع: كان وقع حصول الشمس في نقطة الاعتدال، الذي هو أول الحمل. وكذلك مثله في الخريف. فالذي يدرك بالإحساس الشتاء والصيف، وما بينهما من الاعتدالين تقريبًا. فأما حصولهما في برج بعد برج فلا يعرف إلَّا بحساب فيه كلفة وشغل عن غيره. مع قلة جدواه.
فظهر أنه ليس للمواقيت حد ظاهر عام المعرفة إلَّا الهلال.
وقد انقسمت عادات الأمم في شهرهم وسنتهم القسمة العقلية. وذلك أن كل واحد من الشهر والسنة: إما أن يكونا عددين، أو طبيعيين. أو الشهر طبيعيًا، والسنة عددية، أو بالعكس.
فالذين يعدونهما: مثل من يجعل الشهر ثلاثين يومًا، والسنة اثنى عشر شهرًا، والذين يجعلونهما طبيعين. مثل من يجعل الشهر قمريًا، و السنة شمسية، ويلحق في آخر الشهور الأيام المتفاوتة بين السنتين. فإن السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يومًا. وبعض يوم خمس أو سدس وإنما يقال فيها ثلاثمائة وستون يومًا جبرًا للكسر في العادة - عادة العرب في تكميل ما ينقص من التاريخ في اليوم والشهر والحول.
وإما الشمسية فثلاثمائة وخمسة وستون يومًا، وبعض يوم: ربع يوم. ولهذا كان التفاوت بينهما أحد عشر يومًا إلاَّ قليلًا: تكون في كل ثلاثة وثلاثين سنة وثلث سنة: سنة. ولهذا قال ـ تعالى ـ: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} قيل: معناه ثلاثمائة سنة شمسية: {وَازْدَادُوا تِسْعًا} بحساب السنة القمرية، ومراعاة هذين عادة كثير من الأمم: من أهل الكتاب بسبب تحريفهم، وأظنه كان عادة المجوس أيضًا.
وأما من يجعل السنة طبيعية، والشهر عدديًا، فهذا حساب الروم والسريانيين والقبط ونحوهم من الصابئين والمشركين، ممن يعد شهر كانون ونحوه عددًا، ويعتبر السنة الشمسية بسير الشمس.
فأما القسم الرابع فبأن يكون الشهر طبيعيًا، والسنة عددية، فهو سنة المسلمين، ومن وافقهم، ثم الذين يجعلون السنة طبيعية لا يعتمدون على أمر ظاهر كما تقدم، بل لا بد من الحساب والعدد. وكذلك الذين يجعلون الشهر طبيعيًا ويعتمدون على الاجتماع لا بد من العدد الحساب. ثم ما يحسبونه أمر خفي ينفرد به القليل من الناس، مع كلفة ومشقة وتعرض للخطأ.
فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور، لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالأبصار، فلا يضل أحد عن دينه، ولا يشغله مراعاته عن شيء من مصالحه، ولا يدخل بسببه فيما لا يعنيه، ولا يكون طريقًا إلى التلبيس في دين الله كما يفعل بعض علماء أهل الملل بمللهم.
وأما الحول فلم يكن له حد ظاهر في السماء، فكان لا بد فيه من الحساب والعدد، فكان عدد الشهور الهلالية أظهر وأعم من أن يحسب بسير الشمس، وتكون السنة مطابقة للشهور، ولأن السنين إذا اجتمعت فلا بد من عددها في عادة جميع الأمم، إذ ليس للسنين إذا تعددت حد سماوي يعرف به عددها، فكان عدد الشهور موافقًا لعدد البروج، جعلت السنة اثني عشر شهرًا بعدد البروج التي تكمل بدور الشمس فيها سنة شمسية، فإذا دار القمر فيها كمل دورته السنوية. وبهذا كله يتبين معنى قوله: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} فإن عدد شهور السنة، وعدد السنة بعد السنة إنما أصله بتقدير القمر منازل. وكذلك معرفة الحساب، فإن حساب بعض الشهور لما يقع فيه من الآجال ونحوها إنما يكون بالهلال، وكذلك قوله ـ تعالى ـ: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} .
فظهر بما ذكرناه أنه بالهلال يكون توقيت الشهر والسنة، وأنه ليس شيء يقوم مقام الهلال البتة لظهوره وظهور العدد المبني عليه، وتيسر ذلك وعمومه، وغير ذلك من المصالح الخالية من المفاسد.
ومن عرف ما دخل على أهل الكتابين والصابئين والمجوس، وغيرهم في أعيادهم وعباداتهم وتواريخهم وغير ذلك من أمورهم من الاضطراب والحرج، وغير ذلك من المفاسد: ازداد شكره على نعمة الإسلام، مع اتفاقهم أن الأنبياء لم يشرعوا شيئًا من ذلك، وإنمًا دخل عليهم ذلك من جهة المتفلسفة الصابئة الذين أدخلوا في ملتهم، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله.