الصفحة 57 من 214

وأيضًا فعامة المسلمين في عباداتهم ومعاملاتهم إذا أجل الحق إلى سنة، فإن كان مبدؤه هلال المحرم، كان منتهاه هلال المحرم، سلخ ذي الحجة عندهم. وإن كان مبدؤه عاشر المحرم كان منتهاه عاشر المحرم أيضًا. لا يعرف المسلمون غير ذلك، ولا يبنون إلاَّ عليه، ومن أخذ ليزيد يومًا لنقصان الشهر الأول كان قد غيَّر عليهم ما فطروا عليه من المعروف، وأتاهم بمنكر لا يعرفونه.

فعلم أن هذا غلط ممن توهمه من الفقهاء، ونبهنا عليه ليحذر الوقوع فيه، وليعلم به حقيقة قوله: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ} وإن هذا العموم محفوظ عظيم القدر، لا يستثنى منه شيء.

وكذلك قوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} وكذلك قوله: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} يبين بذلك أن جميع عدد السنين والحساب تابع لتقديره منازل.

فصل: ما ذكرناه من أن الأحكام مثل صيام رمضان متعلقة بالأهلة لا ريب فيه لكن الطريق إلى معرفة طلوع الهلال هو الرؤية، لا غيرها: بالسمع والعقل.

أما السمع: فقد أخبرنا غير واحد منهم شيخنا الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن محمد المقدسي، وأبو الغنائم المسلم بن عثمان القيسي [1] وغيرهما، قالوا: أنبأنا حنبل بن عبد الله المؤذن، أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن الحصين، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان، أنبأنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل، أنبأنا أبي، حدثنا محمد بن جعفر غندر، حدثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، سمعت سعيد بن عمر بن سعيد يحدث أنه سمع ابن عمر - رضي الله عنهما - يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنَّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا» وعقد الإبهام في الثالثة، «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا» يعني تمام الثلاثين.

وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان وإسحاق يعني الأزرق أنبأنا سفيان عن الأسود بن قيس، عن سعيد بن عمر، عن أبن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا» يعني ذكر تسعًا وعشرين قال إسحاق: وطبق بيديه ثلاث مرات، وخنس إبهامه في الثالثة، أخرجه البخاري عن آدم، عن شعبة، ولفظه: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا» يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين.

وكذلك رواه أبو داود، عن سليمان بن حرب، عن شعبة ولفظه: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا» وخنس سليمان أصبعه في الثالثة، يعني تسعة وعشرين، وثلاثين، رواه النسائي من طريق عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان، كما ذكرناه. ومن طريق غندر عن شعبة أيضًا كما سقناه. وقال في آخره تمام الثلاثين. ولم يقل: يعني. فروايته من جهة المسند كما سقناه أجل الطرق، وارفعها قدرًا، إذ غندر أرفع من كل من رواه عن شعبة واضبط لحديثه، والإمام أحمد أجل من رواه عن غندرعن شعبة، وهذه الرواية المسنده التي رواها البخاري وأبو داود والنسائي من حديث شعبة تفسر رواية الثوري وسائر الروايات عن ابن عمر مما فيه إجمال يوهم بسببه على ابن عمر مثل ما رويناه بالطريقة المذكورة، أن أحمد قال حدثنا محمد بن جعفر وبهز قالا: حدثنا شعبة عن جبلة يقول لنا ابن سحيم: قال بهز: أخبرني جبلة بن سحيم، سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الشهر هكذا» وطبق بأصابعه مرتين وكسر في الثالثة الإبهام. قال محمد بن جعفر في حديثه يعني قوله: «تسعًا وعشرين» هكذا رواه البخاري والنسائي من حديث شعبة ولفظه: «الشهر هكذا وهكذا» وخنس الإبهام في الثالثة. ومثل ما روى نافع عن ابن عمر كما رويناه بالإسناد المتقدم إلى أحمد: حدثنا إسماعيل، إنبأنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له» قال نافع وكان عبدالله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون، يبعث من ينظر، فإن رئي فذاك، فإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرًا وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائمًا.

(1) أبو القاسم المسلم بن علان - ن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت