الصفحة 66 من 214

ولو تبين أنه رئي في مكان آخر: فهل يجب القضاء، أو لا يجب مطلقًا؟ إذا كان دون مسافة القصر؟ أم إذا كانت الرؤية في الإقاليم؟ أم إذا كان العمل واحدًا؟ وهل تثبت الرؤية بقول الواحد؟ أم الاثنين مطلقًا؟ أم لا بد في الصحو من عدد كثير؟ هذا مما تنازع فيها المسلمون، فهذه المسائل التي تنازع فيه المسلمون التي تتعلق بيوم الثلاثين، وتفرع بسببها مسائل أخر لعموم البلوى بهذا الأمر، ولما فهموه من كلام الله ورسوله ورأوه من أصول شريعته، ولما بلغهم عن الصدر الأول، وهي من جنس المسائل التي تنازع فيها أهل الاجتهاد، بخلاف من خرج في ذلك إلى الأخذ بالحساب، أو الكتاب، كالجداول، وحساب التقويم، والتعديل المأخوذ من سيرهما. وغير ذلك الذي صرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفيه عن أمته والنهي عنه.

ولهذا ما زال العلماء يعدون من خرج إلى ذلك قد أدخل في الإسلام ما ليس منه، فيقابلون هذه الأقوال بالإنكار الذي يقابل به أهل البدع، وهؤلاء الذين ابتدعوا فيه ما يشبه بدع أهل الكتاب والصابئة أنواع: قوم منتسبة إلى الشيعة من الإسماعيلية وغيرهم. يقولونه بالعدد دون الرؤية. ومبدأ خروج هذه البدعة من الكوفة.

فمنهم من يعتمد على جدول يزعمون أن جعفر الصادق دفعه إليهم ولم يأت به إلاَّ عبدالله بن معاوية، ولا يختلف أهل المعرفة من الشيعة وغيرهم أن هذا كذب مختلق على جعفر، اختلقه عليه عبد الله هذا. وقد ثبت بالنقل المرضي عن جعفر وعامة أئمة أهل البيت ما عليه المسلمون. وهو قول أكثر عقلاء الشيعة.

ومنهم من يعتمد على أن رابع رجب أول رمضان، أو على أن خامس رمضان الماضي أول رمضان الحاضر.

ومنهم من يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا لا يعرف في شيء من كتب الإسلام، ولا رواه عالم قط أنه قال: «يوم صومكم يوم نحركم» . غالب هؤلاء يوجبون أن يكون رمضان تامًا، ويمنعون أن يكون تسعة وعشرين.

ومنهم من يعتمد على رؤيته بالمشرق بل الاستسرار، فيوجبون استسراره ليلتين، ويقولون: أول يوم يرى في أوله فهو من الشهر الماضي. واليوم يكون اليوم الذي لا يرى فيه طرفيه. ثم اليوم الذي يرى في آخره هو أول الشهر الثاني، ويجعلون مبدأ الشهر قبل رؤية الهلال، مع العلم بأن الهلال يستسر ليلة تارة، وليلتين أخرى، وقد يستسر ثلاث ليال.

فأما الذين يعتمدون على حساب الشهور وتعديلها فيعتبرونه برمضان الماضي، أو برجب، أو يضعون جدولًا يعتمدون عليه، فهم مع مخالفتهم لقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا نكتب ولا نحسب» إنما عمدتهم تعديل سير النيرين، والتعديل أن يأخذ أعلى سيرهما، وأدناه، فيأخذ الوسط منه ويجمعه.

ولما كان الغالب على شهور العام الأول ثلاثون والثاني تسعة وعشرون كان جميع أنواع هذا الحساب والكتاب مبنية على أن الشهر الأول ثلاثون، والثاني تسعة وعشرون. والسنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون. ويحتاجون أن يكتبوا في كل عدة من السنين زيادة يوم تصير فيه السنة ثلاثمائة وخمسة وخمسين يومًا، يزيدونه في ذي الحجة مثلًا فهذا أصل عدتهم. وهذا القدر موافق في أكثر الأوقات، لأن الغالب على الشهور هكذا، ولكنه غير مطرد، فقد يتوالى شهران وثلاثة وأكثر ثلاثين، وقد يتوالى شهران وثلاثة وأكثر تسعة وعشرين، فينتقض كتابهم وحسابهم، ويفسد دينهم الذي ليس بقيم، وهذا من الأسباب الموجبة لئلا يعمل بالكتاب والحساب في الأهلة.

فهذه طريقة هؤلاء المبتدعة المارقين الخارجين عن شريعة الإسلام، الذين يحسبون ذلك الشهر بما قبل من الشهور، أما في جميع السنين أو بعضها، ويكتبون ذلك.

وأما الفريق الثاني: فقوم من فقها البصريين ذهبوا إلى أن قوله: «فاقدروا له» تقدير حساب بمنازل القمر، وقد روي عن محمد بن سيرين قال: خرجت في اليوم الذي شك فيه، فلم أدخل على أحد يؤخذ عنه العلم إلاَّ وجدته يأكل، إلاَّ رجلًا كان يحسب ويأخذ بالحساب، ولو لم يعلمه كان خيرًا له. وقد قيل: أن الرجل مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو رجل جليل القدر، إلاَّ أن هذا إن صح عنه فهي من زلاَّت العلماء. وقد حكى هذا القول عن أبي العباس بن سريج أيضًا وحكاه بعض المالكية عن الشافعي أن من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر لم يتبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة، وغم عليه جاز له أن يعتقد الصيام ويبيته ويجزئه. وهذا باطل عن الشافعي لا أصل له عنه. بل المحفوظ عنه خلاف ذلك كمذهب الجماعة. وإنما كان قد حكى ابن سريج وهو كان من أكابر أصحاب الشافعي نسبة ذلك إليه إذ كان هو القائم بنصر مذهبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت