فهرس الكتاب
وأيضًا فالشيء إذا كان صفة للأمة لأنه أصلح من غيره، ولأن غيره فيه مفسدة: كان ذلك مما يجب مراعاته، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره، لوجهين: لما فيه من المفسدة، ولأن صفة الكمال التي للأمة يجب حفظها عليها. فإن كان الواحد لا يجب عليه في نفسه تحصيل المستحبات، فإن كل ما شرع للأمة جميعًا صار من دينها، وحفظ مجموع الدين واجب على الأمة، فرض عين أو فرض كفاية. ولهذا وجب على مجموع الأمة حفظ جميع الكتاب، وجميع السنن المتعلقة بالمستحبات والرغائب، وإن لم يجب ذلك على آحادها، ولهذا أوجب على الأمة من تحصيل المستحبات العامة ما لا يجب على الأفراد، و تحصيله لنفسه: مثل الذي يؤم الناس في صلاته، فإنه ليس له أن يفعله دائمًا ما يجوز للمنفرد فعله، بل يجب عليه أن لا يطول الصلاة تطويلًا يضر من خلفه، ولا ينقصها عن سننها الراتبة: مثل قراءة السورتين الأوليين، وإكمال الركوع والسجود، ونحو ذلك، حتى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الصحابة بعزل إمام كان يصلي لبصاقه في قبلة المسجد، وقال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء» الحديث وقال: «إذا أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال» .
ولهذا قال الفقهاء: إن الإمام المقيم بالناس حجهم عليه أن يأتي بكمال الحج من تأخير النفر إلى الثالث من منى، ولا يتعجل في النفر الأول، ونحو ذلك من سنن الحج التي لوتركها الواحد لم يأثم، وليس للإمام تركها لأجل مصلحة عموم الحجيج من تحصيل كمال الحج وتمامه، ولهذا لما اجتمع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيدان فشهد العيد ثم رخص في الجمعة، قال: «إنا مجمعون» فقال أحمد في المشهور عنه وغيره: إن على الإمام أن يقيم لهم الجمعة ليحصل الكمال لمن شهدها وإن جاز للآحاد الانصراف.
ونظائره كثيرة مما يوجب أن يحفظ للأمة في أمرها العام في الأزمنة والأمكنة والأعمال كمال دينها الذي قال الله فيه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} فما أفضى إلى نقص كمال دينها، ولو بترك مستحب يفضي إلى تركه مطلقًا كان تحصيله واجبًا على الكفاية، إما على الأئمة وإما على غيرهم. فالكمال والفضل الذي يحصل برئية الهلال دون الحساب يزول بمراعاة الحساب لو لم يكن فيه مفسدة.
الوجه الثاني: ما دلت عليه الأحاديث ما في قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا حتى ترواه ولا تفطروا حتى تروه» كما ثبت ذلك عنه من حديث ابن عمر، فنهى عن الصوم قبل رؤيته وعن الفطر قبل رؤيته. ولا يخلو النهي: إما أن يكون عامًا في الصوم فرضًا ونفلًا ونذرًا وقضاء. أو يكون المراد فلا تصوموا رمضان حتى تروه. وعلى التقديرين فقد نهى أن يصام رمضان قبل الرؤية والرؤية الإحساس والإبصار به. فمتى لم يره المسلمون. كيف يجوز أن يقال: قد أخبر مخبر أنه يرى وإذا رئي كيف يجوز أن يقال: أخبر مخبر أنه لا يرى، وقد علم أن قوله: «فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه» ليس المراد به أنه لا يصومه أحد حتى يراه بنفسه، بل لا يصومه أحد حتى يراه أو يراه غيره.
وفي الجملة فهو من باب عموم النفي لا نفي العموم: أي لا يصومه أحد حتى يرى، أو حتى يعلم أنه قدر رئي، أو ثبت أنه قد رئي، ولهذا لما اختلف السلف ومن بعدهم في صوم يوم الشك من رمضان، فصامه بعضهم مطلقًا في الصحو والغيم احتياطًا، وبعضهم كره صومه مطلقًا في الصحو والغيم، كراهة الزيادة في الشهر. وفرق بعضهم بين الصحو والغيم لظهور العدم في الصحو دون الغيم. كان الذين صاموه احتياطًا إنما صاموه لإمكان أن يكون قد رآه غيرهم فينقصونه فيما بعد. وأما لو علموا أنه لم يره أحد لم يكن أحد من الأئمة يستجيز أن يصومه لكون الحساب قد دل على أنه يطلع ولم ير مع ذلك، كما أن الجمهور الذين كرهوا صومه لم يلتفتوا إلى هذا الجواب، إذ الحكم ممدود إلى وقوع الرؤية لا إلى جوازها.
واختلف هؤلاء هل يجوز أو يكره أو يحرم أو يستحب أن يصام بغير نية رمضان. إذا لم يوافق عادة؟ على أربعة أقوال. هذا يجوزه أو يستحبه حملًا للنهي عن صوم رمضان، ويكرهه ويحضره لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التقدم، ولخوف الزيادة، ولمعانٍ أُخر.
ثم إذا صامه بغير نية رمضان، أو بنيته المكروهة، فهل يجزئه إذا تبين، أو لا يجزئه. بل عليه القضاء؟ على قولين للأمة. وإذا لم يتبين أنه رئي إلَّا من النهار فهل يجزئه إنشاء النية من النهار؟ على قولين للأمة: