الصفحة 64 من 214

وأما الأمور المميزة التي هي وسائل وأسباب إلى الفضائل مع إمكان الاستغناء عنها بغيرها. فهذه مثل الكتاب الذي هو الخط، والحساب فهذا إذا فقدها مع أن فضيلته في نفسه لا تتم بدونها، وفقدها نقص، إذا حصلها واستعان بها على كماله وفضله كالذي يتعلم الخط فيقرأ به القرآن، وكتب العلم النافعة، أو يكتب للناس ما ينتفعون به: كان هذا فضلًا في حقه وكمالًا، وإن استعان به على تحصيل ما يضره، أو يضر الناس، كالذي يقرأ بها كتب الضلالة، ويكتب بها ما يضر الناس كالذي يزور خطوط الأمراء والقضاة والشهود: كان هذا ضررًا في حقه، وسيئة ومنقصة: ولهذا نهى عمر أن تعلم النساء الخط.

وإن أمكن أن يستغنى عنها بالكلية، بحيث ينال كمال العلوم من غيرها. وينال كمال التعليم بدونها: كان هذا أفضل له وأكمل. وهذه حال نبينا - صلى الله عليه وسلم - الذي قال الله فيه: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} فإن أميته لم تكن من جهة فقد العلم والقراءة عن ظهر قلب، فإنه إمام الأئمة في هذا. وإنما كان من جهة أنه لا يكتب ولا يقرأ مكتوبًا. كما قال الله فيه: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} .

وقد اختلف الناس هل كتب يوم الحديبية بخطه معجزة له؟ أم لم يكتب؟ وكان انتفاء الكتابة عنه مع حصول أكمل مقاصدها بالمنع من طريقها من أعظم فضائله، وأكبر معجزاته. فإن الله علمه العلم بلا واسطة كتاب معجزة له، ولما كان قد دخل في الكتب من التحريف والتبديل، وعلم هو - صلى الله عليه وسلم - أمته الكتاب والحكمة من غير حاجة منه إلى أن يكتب بيده، وأما سائر أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة وغيرهم فالغالب على كبارهم الكتابة لاحتياجهم إليها، إذ لم يؤت أحد منهم من الوحي ما أوتيه، صارت أميته المختصة به كمالًا في حقه من جهة الغنى بما هو أفضل منها وأكمل، ونقصًا في حق غيره من جهة فقده الفضائل التي لا تتم إلاَّ بالكتابة.

إذا تبين هذا: فكتاب أيام الشهر، وحسابه من هذا الباب، كما قدمناه، فإن من كتب مسير الشمس والقمر بحروف «أبجد» ونحوها وحسب كم مضى من مسيرها، ومتى يلتقيان ليلة الاستسرار، ومتى يتقابلان ليلة الإبدار، ونحو ذلك فليس في هذا الكتاب والحساب من الفائدة، إلاَّ ضبط المواقيت التي يحتاج الناس إليها في تحديد الحوادث والأعمال، ونحو ذلك، كما فعل ذلك غيرنا من الأمم، فضبطوا مواقيتهم بالكتاب والحساب، كما يفعلونه بالجداول، أو بحروف الجمل، وكما يحسبون مسير الشمس والقمر: ويعدلون ذلك، ويقومونه بالسير الأوسط، حتى يتبين لهم وقت الاستسرار والإبدار، وغير ذلك، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم: أنا أيتها الأمة الأمية لا نكتب هذا الكتاب، ولا نحسب هذا الحساب فعاد كلامه إلى نفي الحساب والكتاب فيما يتعلق بأيام الشهر الذي يستدل به على استسرار الهلال وطلوعه وقد قدمنا فيما تقدم أن النفي وإن كان على إطلاقه يكون عامًّا، فإذا كان في سياق الكلام ما يبين المقصود علم به المقصود أخاص هو، أم عام؟ فلما قرن ذلك بقوله «الشهر ثلاثون» و «الشهر تسعة وعشرون» يبين أن المراد به أنا لا نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، إذ هو تارة كذلك، وتارة كذلك. والفارق بينهما هو الرؤية فقط، ليس بينهما فرق آخر من كتاب ولا حساب، كما سنبينه. فإن أرباب الكتاب والحساب لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية بضبط مستمر وإنما يقربوا ذلك فيصيبون تارة، ويخطئون أخرى.

وظهر بذلك أن الأمية المذكورة هنا صفة مدح وكمال، من وجوه: من جهة الاتسغناء عن الكتاب والحساب، بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلا ل. ومن جهة أن الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط. ومن جهة أن فيهما تعبا كثيرًا ً بلا فائد. فإن ذلك شغل عن المصالح، إذ هذا مقصود لغيره لا لنفسه. وإذا كان نفي الكتاب والحساب عنهم للاستغناء عنه بخير منه وللمفسدة التي فيها خرج عن الأمة الأمية فيما هو من الكمال والفضل السالم عن المفسدة، ودخل في أمر ناقص يؤديه إلى الفساد والاضطراب.

وأيضًا فإنه جعل هذا وصفًا للأمة. كما جعلها وسطًا في قوله ـ تعالى ـ: {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} فالخروج عن ذلك اتباع غير سبيل المؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت