الصفحة 63 من 214

فإذا تبين أن التميز عن الأميين نوعان، فالأمة التي بعث فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - أولًا هم العرب، وبواستطهم حصلت الدعوة لسائر الأمم، لأنه إنما بعث بلسانهم، فكانوا أميين عامة، ليست فيهم مزية علم ولا كتاب، ولا غيره، مع كون فطرهم كانت مستعدة للعلم أكمل من استعداد سائر الأمم، بمنزلة أرض الحرث القابلة للزرع، لكن ليس لها من يقوم عليها، فلم يكن لهم كتاب يقرؤونه منزل من عند الله كما لأهل الكتاب، ولا علوم قياسية مستنبطة، كما للصابئة ونحوهم، وكان الخط فيهم قليلًا جدًا، وكان لهم من العلم ما ينال بالفطرة التي لا يخرج بها الإنسان من الأمية العامة، كالعلم بالصانع ـ سبحانه ـ، وتعظيم مكارم الأخلاق، وعلم الأنواء والأنساب والشعر. فاستحقوا اسم الأمية من كل وجه. كما قال فيهم: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} وقال ـ تعالى ـ: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} فجعل الأميين مقابلين لأهل الكتاب. فالكتابي غير الأمي.

فلما بعث فيهم ووجب عليهم اتباع ما جاء به من الكتاب وتدبره وعقله والعمل به ـ وقد جعله تفصيلًا لكل شيء، وعلمهم نبيهم كل شيء حتى الخراءة ـ صاروا أهل كتاب وعلم. بل صاروا أعلم الخلق وأفضلهم في العلوم النافعة، وزالت عنهم الأمية المذمومة الناقصة، وهي عدم العلم والكتاب المنزل، إلى أن علموا الكتاب والحكمة وأورثوا الكتاب. كما قال فيهم: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فكانوا أميين من كل وجه. فلما علمهم الكتاب والحكمة قال فيهم: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} وقال ـ تعالى ـ: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ} واستجيب فهيم دعوة الخليل حيث قال: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وقال: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?}

فصارت هذه الأمية: منها ما هو محرم. ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو نقص، وترك الأفضل، فمن لم يقرأ الفاتحة، أو لم يقرأ شيئًا من القرآن تسميه الفقهاء في (باب الصلاة) أميًّا. ويقابلونه بالقارئ فيقولون: لا يصح اقتداء القارئ بالأمي. ويجوز أن يأتم الأمي بالأمي. ونحو ذلك من المسائل وغرضهم بالأمي هنا الذي لا يقرأ القراءة الواجبة سواء كان يكتب أو لا يكتب، يحسب أو لا يحسب.

فهذه الأمية منها ما هو ترك واجب يعاقب الرجل عليه. إذا قدر على التعلم فتركه.

ومنها ما هو مذموم كالذي وصفه الله - عز وجل - عن أهل الكتاب حيث قال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} فهذه صفة من لا يفقه كلام الله ويعمل به، وإنما يقتصر على مجرد تلاوته. كما قال الحسن البصري: نزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملًا. فالأمي هنا قد يقرأ حروف القرآن أو غيرها ولا يفقه. بل يتكلم في العلم بظاهر من القول ظنًا. فهذا أيضًا أمي مذموم، كما ذمه الله، لنقص علمه الواجب سواء، كان فرض عين، أم فرض كفاية.

ومنها ما هو الأفضل الأكمل كالذي يقرأ من القرآن إلآّّ بعضه، ولا يفهم منه إلاَّ ما يتعلق به، ولا يفهم من الشريعة إلاَّ مقدار الواجب عليه، فهذا أيضًا يقال له أمي. وغيره ممن أوتي القرآن علمًا وعملًا أفضل منه، وأكمل.

فهذه الأمور المميزة للشخص عن الأمور التي هي فضائل وكمال: فقدها إما فقد واجب عينًا، أو واجب على الكفاية، أو مستحب. ولهذا يوصف الله بها، وأنبياؤه مطلقًا، فإن الله عليم حكيم، جمع العلم، والكلام النافع طلبًا وخبرًا وإرادة، وكذلك أنبياؤه ونبينا سيد العلماء والحكماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت