فهرس الكتاب
و قد صحح أحمد المسند. و قال في حديث إسماعيل بن أبي خالد حديث سعد «الشهر هكذا و هكذا» قال يحيى القطان: أردنا أن يقول عن أبيه فأبى. قال أحمد: هذا عن إسماعيل كان يسنده أحيانًا وأحيانًا لا يسنده. ورواه زائدة عن أبيه قيل له: إن وكيعًا قد رواه، ويحيى يقول: ما يقول؟ قال: زائدة قد رواه. وقال أيضًا: قد رواه عبد الله عن أبيه، وابن بشر وزائدة وغيرهم. وهذا الذي قاله بيان أن هذه الزيادة من هؤلاء الثقاة، فهي مقبولة. وإن الذين حدثوا عنه كان تارة يذكرها وتارة يتركها. وقد روي ما يفسره: فروى أبو بكر الخلال وصاحبه من حديث وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن محمد بن سعد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا، والشهر هكذا وهكذا وهكذا» وأشار وكيع بالعشر الأصابع مرتين وخنس واحدة الإبهام في الثالثة.
فهذه الأحاديث المستفيضة المتلقاة بالقبول دلت على أمور:
أحدها أن قوله: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» هو خبر تضمن نهيًا، فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته هي الأمة الوسط، أمية لا تكتب ولا تحسب. فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم. بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة، فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمين منهيًا عنهما. وهذا كقوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» أي هذه صفة المسلم، فمن خرج عنها خرج عن الإسلام، ومن خرج عن بعضها خرج عن الإِسلام في ذلك البعض، وكذلك قوله: «المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» .
فإن قيل: فهلا قيل إن لفظه خبر ومعناه الطلب؟ كقوله: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} {والوالدات يرضعن} ونحو ذلك. فيكون المعنى أن من كان من هذه الأمة فلا ينبغي له أن يكتب ولا يحسب. نهاه عن ذلك؛ لئلا يكون خبرًا قد خالف مخبره. فإن منهم من كتب أو حسب.
قيل: هذا المعنى صحيح في نفسه، لكن ليس هو ظاهر اللفظ. فإن ظاهره خبر، والصرف عن الظاهر إنما يكون لدليل يحوج إلى ذلك، ولا حاجة إلى ذلك كما بيناه.
وأيضا فقوله: «إنا أمة أمية» ليس هو طلبًا، فإنهم أميون قبل الشريعة، كما قال الله ـ تعالى ـ: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} وقال: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} فإذا كانت هذه صفة ثابتة لهم قبل المبعث لم يكونوا مأمورين بابتدائها. نعم، قد يؤمرون بالبقاء على بعض أحكامها، فإنا سنبين أنهم لم يؤمروا أن يبقوا على ما كانوا عليه مطلقًا.
فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون هذا إخبارًا محضًا أنهم لا يفعلون ذلك، وليس عليهم أن يفعلوه؛ إذ لهم طريق آخر غيره، ولا يكون فيه دليل على أن الكتاب والحساب منهي عنه: بل على أنه ليس بواجب، فإن الأمية صفة نقص، ليست صفة كمال، فصاحبها أولى بأن يكون معذورًا من أن يكون ممدوحًا.
قيل: لا يجوز هذا، لأن الأمة التي بعثه الله إليها، فيها من يقرأ ويكتب كثيرًا، كما كان في أصحابه، وفيهم من يحسب وقد بعث - صلى الله عليه وسلم - بالفرائض التي فيها من الحساب ما فيها، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه لما قدم عامله على الصدقة ابن اللتبية حاسبه، وكان له كُتَّاب عدة ـ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد ومعاوية ـ يكتبون الوحي، ويكتبون العهود، ويكتبون كتبه إلى الناس، إلى من بعثه الله إليه من ملوك الأرض، ورؤوس الطوائف: وإلى عماله وولاته وسعاته وغير ذلك. وقد قال الله ـ تعالى ـ في كِتابه: {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} في آيتين من كتابه، فأخبر أنه فعل ذلك ليعلم الحساب.
وإنما «الأمي» هو في الأصل منسوب إلى الأمة التي هي جنس الأميين، وهو من لم يتميز عن الجنس بالعلم المختص: من قراءة أو كتابة كما يقال: عامي لمن كان من العامة، غير متميز عنهم بما يختص به غيرهم من علوم: وقد قيل: إنه نسبة إلى الأم: أي هو الباقي على ما عودته أمه من المعرفة والعلم، ونحو ذلك.
ثم التميز الذي يخرج به عن الأمية العامة إلى الاختصاص: تارة يكون فضلًا وكمالًا في نفسه. كالتميز عنهم بقراءة القرآن، وفهم معانيه، وتارة يكون بما يتوصل به إلى الفضل، والكمال: كالتميز عنهم بالكتابة وقراءة المكتوب، فيمدح في حق من استعمله في الكمال، ويذم في حق من عطله أو استعمله في الشر، ومن استغنى عنه بما هو أنفع له كان أكمل وأفضل، وكان تركه في حقه مع حصول المقصود به أكمل وأفضل.