فهرس الكتاب
وأما إذا أطلق الكلام مجردًا عن القرينتين فمعناه السلب المطلق. وهو كثير في الكلام. فكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: «إنما الشهر تسع وعشرون» وقوله: «الشهر تسع وعشرون» حيث قصد به الحصر في النوع، لما كان الله ـ تعالى ـ قد علق بالشهر أحاكمًا، كقوله: {شهر رمضان} وقوله: {الحج أشهر معلومات} وقوله: {شهرين متتابعين} ونحو ذلك. وكان من الإفهام ما يسبق إلى أن مطلق الشهر ثلاثون يومًا.
ولعل بعض من لم يعد أيام الشهر يتوهم أن السنة ثلاثمائة وستون يومًا. وإن كل شهر ثلاثون يومًا، فقال - صلى الله عليه وسلم: الشهر الثابت اللازم الذي لابد منه تسع وعشرون. وزيادة اليوم قد تدخل فيه، وقد تخرج منه، كما يقول الإسلام شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا رسول الله. فهذا هو الذي لا بد منه، وما زاد على ذلك فقد يجب على الإنسان، وقد يموت قبل الكلام فلا يكون الإسلام في حقه إلاَّ ما تكلم به.
وعلى ما قد ثبت عن ابن عمر فيكون قد سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - كلا الخبرين، أو أن يكون الذي سمع منه: «إن الشهر يكون تسعة وعشرين» «ويكون ثلاثين» كما جاء مصرحًا به، وسمع منه: «إن الشهر إنما هو تسع وعشرون» روى هذا بالمعنى الذي تضمنه الأول وهو بعيد من ابن عمر، فإنه كان لا يروي بالمعنى، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المعاني الثلاثة أن قوله: «الشهر تسع وعشرون» لشهر معين. وروى عنه إنه قال: «قد يكون» وروى عنه أنه قال: «إنما الشهر» .
وقد استفاضت الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يوافق التفسير الأول في حديث ابن عمر. مثل ما رواه البخاري من حديث ابن جريج، عن يحيى بن عبدالله بن صيفي، عن عكرمة بن عبدالرحمن، عن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم: «آلى من نسائه شهرًا» فلما مضى تسعة وعشرون يومًا غدا أو راح، فقيل له إنك حلفت أن لا تدخل شهرًا. فقال: «إن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا» فيه ما يدل على أن الشهر يكمل بحسبه مطلقًا. إلَّا أن يكون الإيلاء كان في أول الشهر، وهو خلاف الظاهر، فمتى كان الإيلاء. في أثنائه فهو نص في مسألة النزاع. وروى البخاري أيضًا من حديث سليمان بن بلال عن حميد عن أنس قال: آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نسائه وكانت انفكت رجله فأقام في مشربة تسعًا وعشرين ليلة ثم نزل. فقالوا: يا رسول الله آليت شهرًا فقال: «إن الشهر يكون تسعًا وعشرين» .
وأما الشهر المعين فروى النسائي من حديث شعبة عن سلمة عن أبي الحكم عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أتاني جبريل فقال تم الشهر لتسع وعشرين» هكذا رواه بهز عنه. ورواه من طريق غندر. ورواه من طريق غندر عنه، ولفظه: «الشهر تسع وعشرون» فهذه الرواية تبين أن إيلاء النبي - صلى الله عليه وسلم - كان فيما بين الهلالين. فلما مضى تسع وعشرون أخبره جبرائيل أن الشهر تم لتسع وعشرين، لأن الشهر الذي آلى فيه كان تسعًا وعشرين. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يظن أن عليه إكمال العدة ثلاثين. فأخبره جبرائيل بأنه تم شهر إيلائه لتسع وعشرين، ولو كان الإيلاء في أول الهلال لم يحتج إلى أن يخبره جبرئيل بذلك، لأنه إذا رئى لتمام تسع وعشرين يعلم أنه قد تم، فإن هذا أمر ظاهر لا شبهة فيه حتى يخبره به جبرئيل.
وأيضًا فلو كان الإيلاء بين الهلالين لكان الصحابة يعلمون أن ذلك شهر، فإن هذا أمر لم يكن يشكون فيه هم ولا أحد أن الشهر ما بين الهلالين، والاعتبار بالعدد، ولكن لما وقع الإيلاء في أثناء الشهر توهموا أنه يجب تكميل العدة ثلاثين، فأخبره جبريل بأنه قد تم شهر إيلائه لتسع وعشرين، قال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «إن الشهر تسع وعشرون» أي شهر الإيلاء «وإن الشهر يكون تسعة وعشرين» .
وأيضًا فقول عائشة - رضي الله عنها: أعدهن. ولو كان في أول الهلال لم تحتج إلى أن تعدهن، كما لم يعد رمضان إذا صاموا بالرؤية، بل روى عنه ما ظاهره الحصر سعد بن أبي وقاص بالإسناد المتقدم إلى أحمد: حدثنا محمد ابن بشر، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يضرب بأحدى يديه على الأخرى وهو يقول: «الشهر هكذا وهكذا» ثم يقبض أصبعه في الثالثة. وقال أحمد: حدثنا معاوية ابن عمر، حدثنا زائدة، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الشهر هكذا وهكذا عشر عشر وتسع مرة» رواه النسائي من حديث محمد بن بشر كما ذكرناه. ورواه هو وأحمد أيضًا من حديث ابن المبارك، عن إسماعيل مسندًا، كما تقدم وقد رواه يحيى بن سعيد ووكيع ومحمد بن عبيد عن إسماعيل عن محمد مرسلًا. وقال يحيى بن سعيد في روايته قلت لإسماعيل: عن أبيه؟ قال: لا.