فهرس الكتاب
فمن قال الكذب فلم يقل شيئًا. ومن لم يعمل بما ينفعه فلم يعمل شيئًا ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن الكهان قال: «ليسوا بشيء» ففي الصحيحين: عن عائشة قالت: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ناس من الكهان فقال: «ليسوا بشيء» ويقول أهل الحديث عن بعض المحدثين ليس بشيء، أو عن بعض الأحاديث ليس بشيء إذا لم يكن ممن ينتفع به في الرواية: لظهور كذبه عمدًا، أو خطأ ويقال أيضًا لمن خرج عن موجب الإنسانية في الأخلاق ونحوها: هذا ليس بآدمي، ولا إنسان، ما فيه إنسانية ولا مروءة، هذا حمار، أو كلب، كما يقال ذلك لمن اتصف بما هو فوقه من حدود الإنسانية. كما قلن ليوسف: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} .
وكذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يجد غني يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس إلحافًا» وقال: «ما تعدون المفلس فيكم؟» قالوا: الذي لا درهم ولا دينار، فقال: «ليس ذلك، إنما المفلس الذي يجيء يوم القيامة» الحديث. وقال: «ما تعدون الرقوب؟» الحديث. فهذا نفي لحقيقة الاسم من جهة المعنى الذي يجب اعتباره: باعتبار أن الرقوب والمفلس إنما قيد بهذا الاسم لما عدم المال والولد، والنفوس تجزع من ذلك، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن عدم ذلك حيث يضره عدمه هو أحق بهذا الاسم ممن يعدمه حيث قد لا يضره ضررًا له اعتبار.
ومثال هذا أن يقال لمن يتألم ألمًا يسيرًا ليس هذا بألم، إنما الألم كذا وكذا، ولمن يرى أنه غني ليس هذا بغني إنما الغني فلان. وكذلك يقال في العالم والزاهد. كقولهم إنما العالم من يخشى الله ـ تعالى ـ.
وكقول مالك بن دينار الناس يقولون: مالك زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبدالعزيز الذي أتته الدنيا فتركها. ونحو ذلك مما تكون القلوب تعظمه لذلك المسمى اعتقادًا واقتصادًا: إما طلبًا لوجوده، وإما طلبًا لعدمه، معتقدًا أن ذلك هو المستحق للاسم، فيبين لها أن حقيقة ذلك المعنى ثابتة لغيره دونه، على وجه ينبغي تعليق ذلك الاعتقاد والاقتصاد بذلك الغير.
ومن هذا الباب قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمجاهد من جاهد بنفسه في ذات الله» ومنه قوله ـ تعالى ـ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} إلى قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} فهؤلاء المستحقون لهذا الاسم على الحقيقة الواجبة لهم. ومنه قولهم لا علم إلاَّ ما نفع، ولا مدينة إلاِّ بملك، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا ربا إلاَّ في النسيئة» أو «إنما الربا النسيئة» فإنما الربا العام الشامل للجنسين وللجنس الواحد المتفقة صفاته إنما يكون في النسيئة. وأما ربا الفضل فلا يكون إلاَّ في الجنس الواحد، ولا يفعله أحد إلاَّ إذا اختلفت الصفات. كالمضروب بالتبر، والجيد بالرديء، فأما إذا استوت الصفات فليس أحد يبيع درهمًا بدرهمين. ولهذا شرع القرض هنا، لأنه من نوع التبرع. فلما كان غالب الربا وهو الذي نزل فيه القرآن أولًا، وهو ما يفعله الناس، وهو ربا النسأ: قيل إنما الربا في النسيئة.
وأيضًا ربا الفضل إنما حرم لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة. فالربا المقصود بالقصد الأول هو ربا النسيئة، فلا ربا إلاَّ فيه، وأظهر ما تبين فيه الربا الجنس الواحد المتفق فيه الصفات، فإنه إذا باع مائة درهم بمائة وعشرين ظهر أن الزيادة قابلت الأجل الذي لا منفعة فيه، وإنما دخل فيه للحاجة، ولهذا لا تضمن الآجال باليد، ولا بالإتلاف. فلو تبقى العين في يده، أو المال في ذمته مدة لم يضمن الأجل، بخلاف زيادة الصفة فإنها مضمونة في الإتلاف، والغصب، وفي البيع إذا قابلت غير الجنس. وهذا باب واسع.
فإن الكلام الخبري إما إثبات، وإما نفي. فكما أنهم في الإثبات يثبتون للشيء اسم المسمى إذا حصل فيه مقصود الاسم، وإن انتفت صورة المسمى فكذلك في النفي. فإن أدوات النفي تدل على انتفاء الاسم بانتفاء مسماه فكذلك، تارة لأنه لم يوجد أصلًا، وتارة لأنه لم توجد الحقيقة المقصودة بالمسمى. وتارة لأنه لم تكمل تلك الحقيقة. وتارة لأن ذلك المسمى مما لا ينبغي أن يكون مقصودًا، بل المقصود غيره. وتارة لأسباب أخر. وهذا كله إنما يظهر من سياق الكلام، وما اقترن به من القرائن اللفظية التي لا تخرجها عن كونها حقيقة عند الجمهور، ولكون المركب قد صار موضوعًا لذلك المعنى، أو من القرائن الحالية التي تجعلها مجازًا عند الجمهور.