فهرس الكتاب
وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنان شعبة، عن قبة بن حريث، سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الشهر تسع وعشرون» وطبق شعبة يديه ثلاث مرات، وكسر الإبهام في الثالثة، قال عقبة: وأحسبه قال: «الشهر ثلاثون» وطبق كفيه ثلاث مرات، ورواه النسائي من حديث ابن المثنى عن غندر، لكن لفظه: «الشهر تسع وعشرون» لم يزد، فرواية أحمد أكمل وأحسن سياقًا تقدم، فإن الرواية المفسرة تبين أن سائر روايات ابن عمر التي فيها الشهر تسع وعشرون عني بها أحد شيئين: إما أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين ردًا على من يتهم أن الشهر المطلق هو ثلاثون، كما توهم من توهم من المتقدمين، وتبعهم على ذلك بعض الفقهاء في الشهر العددي، فيجعلونه ثلاثين يومًا بكل حال، وعارضهم قوم فقالوا: الشهر تسع وعشرون، واليوم الآخر زيادة. وهذا المعنى هو الذي صرح به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال «الشهر هكذا وهكذا وهكذا، والشهر هكذا وهكذا» يعني: مرة ثلاثين، ومرة تسعة وعشرين، فمن جزم يكونه ثلاثين، أو تسعة وعشرين، فقد أخطأ.
والمعنى الثاني أن يكون أراد أن عدد الشهر اللازم الدائم هو تسعة وعشرين، فأما الزائد فأمر جائز يكون في بعض الشهور، ولا يكون في بعضها.
والمقصود أن التسعة والعشرين يجب عدها واعتبارها بكل حال في كل وقت، فلا يشرع الصوم بحال حتى يمضي تسعة وعشرون من شعبان، ولا بد أن يصام في رمضان تسعة وعشرون، لا يصام أقل منها بحال، وهذا المعنى هو الذي يفسر به رواية أيوب عن نافع: «إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه» أي إنما الشهر اللازم الدائم الواجب تسعة وعشرون. ولا يمكن أن يفسر هذا الفظ بالمعنى الأول لما فيه من الحصر.
وقد قيل إن ذلك قد يكون إشارة إلى شهر بعينه، لا إلى جنس الشهر: أي إنما ذلك الشهر تسعة وعشرون، كأنه الشهر الذي آلى فيه من أزواجه، لكن هذا يدفعه قوله عقبه: «فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له» فهذا يبين أنه ذكر هذا لبيان الشرع العام المتعلق بجنس الشهر، لا لشهر معين، فإنه قد بين أنه ذكر هذا لأجل الصوم. فلو أراد شهرًا بعينه قد علم أنه تسعة وعشرون لكان إذا علم أن ذلك الشهر تسع وعشرون لم يفترق الحال بين الغم وعدمه، ولم يقل: «فلا تصوموا حتى تروه» ولأنه لا يعلم ذلك إلاَّ وقد رئي هلال الصوم، وحينئذ فلا يقال: «فإن غم عليكم» .
ولذلك حمل الأئمة كالإمام أحمد قوله المطلق على أنه لجنس الشهر، لا لشهر معين. وبنوا عليه أحكام الشريعة. قال حنبل بن إسحاق: حدثني أبوعبدالله: حدثنا يحيى بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن، قال عبد الله: قلت ليحيى: الذين يقولون الملائي، قال: نعم، عن الوليد بن عقبة، قال: صمنا على عهد علي سدد خطاكم ثمان وعشرين، فأمرنا علي أن نتمها يومًا، أبو عبد الله - رحمه الله - عليه يقول: العمل على هذا الشهر، لأن هكذا وهكذا وهكذا تسعة وعشرون فمن صام هذا الصوم قضى يومًا، ولا كفارة عليه.
وبما ذكرناه يتبين الجواب عما روي عن عائشة في هذا قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، وظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا فنزل لتسع وعشرين. فقيل له، فقال: «إن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين» فعائشة ل ردت ما أفهموها عن ابن عمر، أو ما فهمته هي من أن الشهر لا يكون إلاَّ تسعًا وعشرين. وابن عمر لم يرد هذا، بل قد ذكرنا عنه الروايات الصحيحة. بأن الشهر يكون مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين. فثبت بذلك أن ابن عمر روى أن الشهر يكون تارة كذلك، وتارة كذلك.
وما رواه إما أن يكون موافقًا لما روته عائشة أيضًا: من أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين، وإما أن يكون معناه أن الشهر اللازم الدائم الواجب هو تسعة وعشرون، ومن كلام العرب وغيرهم أنهم ينفون الشيء في صيغ الحصر أو غيرها، تارة لانتفاء ذاته. وتارة لانتفاء فائدته ومقصوده. ويحصرون الشيء في غيره: تارة لانحصار جميع الجنس منه. وتارة لانحصار المقيد أو الكامل فيه. ثم إنهم تارة يعيدون النفي إلى المسمى. وتارة يعيدون النفي إلى الاسم. وإن كان ثابتًا في اللغة، إذا كان المقصود الحقيقي بالاسم منتفيًا عنه ثابتًا لغيره. كقوله: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} فنفى عنهم مسمى الشيء، مع أنه في الأصل شامل لكل موجود من حق وباطل، لما كان ما لا يفيد ولا منفعة فيه يؤول إلى الباطل الذي هو العدم. فيصير بمنزلة المعدوم. بل ما كان المقصود منه إذا لم يحصل مقصوده كان أولى بأن يكون معدومًا من المعدوم المستمر عدمه، لأنه قد يكون فيه ضرر.