فهرس الكتاب
أحدها: أنها تختلف، وذلك لأن الرؤية تختلف لحدة البصر وكلاله، فمع دقته يراه البصر الحديد دون الكليل، ومع توسعه يراه غالب الناس، وليست أبصار الناس محصورة بين حاصرتين، ولا يمكن أن يقال يراه غالب الناس، ولا يراه غالبهم، لأنه لو رآه اثنان علق الشارع الحكم بهما بالإجماع، وإن كان الجمهور لم يروه، فإذا قال لا يرى بناء على ذلك كان مخطئًا في حكم الشرع، وإن قال يرى بمعنى أنه يراه البصر الحديد، فقد لا يتفق فيمن يتراءى له من يكون بصره حديدًا، فلا يلتفت إلى إمكان رؤية من ليس بحاضر.
السبب الثاني: أن يختلف بكثرة المترائين وقلتهم، فإنهم إذا كثروا كان أقرب أن يكون فيهم من يراه لحدة بصره، وخبرته بموضع طلوعه، والتحديق نحو مطلعه، وإذا قلوا فقد لا يتفق ذلك، فإذا ظن أنه يرى قد يكونون قليلًا فلا يمكن أن يروه، وإذا قال: لا يرى، فقد يكون المتراؤون كثيرًا فيهم من فيه قوة على إدراك ما لا يدركه غيره.
السبب الثالث: أنه يختلف باختلاف مكان الترائي فإن كان أعلى مكانًا في منارة أو سطح عال، أو على رأس جبل، ليس بمنزلة من يكون على القاع الصفصف، أو في بطن واد، كذلك قد يكون أمام أحد المترائين بناء أو جبل أو نحو ذلك يمكن معه أن يراه غالبًا، وإن منعه أحيانًا، وقد يكون لا شيء أمامه. فإذا قيل: يرى مطلقًا، لم يره المنخفض ونحوه، وإذا قيل: لا يرى فقد يراه المرتفع ونحوه، والرؤية تختلف بهذا اختلافًا ظاهرًا.
السبب الرابع: أنه يختلف باختلاف وقت الترائي، وذلك أن عادة الحساب أنهم يخبرون ببعده، وقت غروب الشمس، وفي تلك الساعة يكون قريبًا من الشمس، فيكون نوره قليلًا، وتكون حمرة شعاع الشمس مانعًا له بعض المنع، فكلما انخفض إلى الأفق بعد عن الشمس، فيقوى شرط الرؤية، ويبقى مانعها، فيكثر نوره، ويبعد عن شعاع الشمس، فإذا ظن أنه لا يرى وقت الغروب أو عقبه، فإنه يرى بعد ذلك، ولو عند هويه في المغرب، وإن قال: أنه يضبط حاله من حين وجوب الشمس إلى حين وجوبه، فإنما يمكنه أن يضبط عدد تلك الدرجات لأنه يبقى مرتفعًا بقدر ما بينهما من البعد، أما مقدار ما يحصل فيه من الضوء، وما يزول من الشعاع المانع له، فإن ذلك تحصل الرؤية بضبطه على وجه واحد ـ يصح مع الرؤية دائمًا أو يمتنع دائمًا ـ فهذا لا يقدر عليه أبدًا، وليس هو في نفسه شيئًا منضبطًا خصوصًا إذا كانت الشمس [1] .
السبب الخامس: صفاء الجو، وكدره. لست أعني إذا كان هناك حائل يمنع الرؤية كالغيم والقتر الهائج من الأدخنة، والأبخرة، وإنما إذا كان الجو بحيث يمكن فيه رؤيته أمكن من بعض، إذا كان الجو صافيًا من كل كدر، في مثل ما يكون في الشتاء عقب الأمطار في البرية الذي ليس فيه بخار، بخلاف ما إذا كان في الجو بخار بحيث لا يمكن فيه رؤيته، كنحو ما يحصل في الصيف بسبب الأبخرة والأدخنة، فإنه لا يمكن رؤيته في مثل ذلك، كما يمكن في مثل صفاء الجو.
وأما صحة مقابلته، ومعرفة مطلعه، ونحو ذلك. فهذا من الأمور التي يمكن المترائي أن يتعلمها، أو يتحراه. فقد يقال: هو شرط الرؤية كالتحديق نحو المغرب خلف الشمس، فلم نذكره في أسباب اختلاف الرؤية. وإنما ذكرنا ما ليس في مقدور المترائين الإحاطة من صفة الأبصار، وأعدادها، ومكان الترائي، وزمانه، وصفاء الجو، وكدره.
فإذا كانت الرؤية حكمًا تشترك فيه هذه الأسباب التي ليس شيء منها داخلًا في حساب الحاسب، فكيف يمكنه مع ذلك يخبر خبرًا عامًا أنه لا يمكن أن يراه أحد حيث رآه على سبع أو ثمان درجات، أو تسع، أم كيف يمكنه يخبر خبرًا جزمًا أنه يرى إذا كان على تسعة أو عشرة مثلًا.
ولهذا تجدهم مختلفين في قوس الرؤية: ومنهم من يقول [2] ويحتاجون أن يفرقوا بين الصيف والشتاء: إذا كان الشمس في البروج الشمالية مرتفعة، أو في البروج الجنوبية منخفضة فتبين بهذا البيان أن خبرهم بالرؤية من جنس خبرهم بالأحكام، وأضعف، وذلك أنه قد ثبت أن الحركات العلوية سبب الحوادث الأرضية، فإن هذا القدر لا يمكن المسلم أن يجزم بنفيه، إذ الله ـ سبحانه ـ جعل بعض المخلوقات أعيانها وصفاتها وحركاتها سببًا لبعض، وليس في هذا ما يحيله شرع ولا عقل، لكن المسلمون قسمان:
منهم من يقول: هذا لا دليل على ثبوته، فلا يجوز القول به، فإنه قول بلا علم.
وآخر يقول: بل هو ثبات في الجملة، لأنه قد عرف بعضه بالتربة، ولأن الشريعة دلت على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، لكنهما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده» والتخويف إنما يكون بوجود سبب الخوف، فعلم أن كسوفهما قد يكون سببًا لأمر مخوف، وقوله: «لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته» رد لما توهمه بعض الناس. فإن الشمس خسفت يوم موت إبراهيم، فاعتقد بعض الناس أنها خسفت من أجل موته تعظيمًا لموته، وإن موته سبب خسوفها، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا ينخسف لأجل أنه مات أحد ولا لأجل أنه حيي أحد.
(1) بياض بالأصل.
(2) بياض.