الصفحة 69 من 214

وهذا كما في الصحيحين عن ابن عباس قال: حدثني رجال من الأنصار أنهم كانوا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فرمي بنجم فاستنار، فقال: «ما كنتم تقولون لهذا في الجاهلية؟» فقالوا: كنا نقول: ولد الليلة عظيم أو مات عظيم، فقال: «إنه لا يرمى بها لموت أحد، ولا لحياته، ولكن الله إذا قضى بالقضاء سبح حملة العرش» الحديث. فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الشهب التي ترجم بها لا يكون عن سبب حدث في الأرض، وإنما يكون عن أمر حدث في السماء، وأن الرمي بها لطرد الشياطين المسترقة.

وكذلك الشمس والقمر هما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده. كما قال: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} فعلم أن هذه الآيات السماوية قد تكون سبب عذاب، ولهذا شرع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند وجود سبب الخوف ما يدفعه من الأعمال الصالحة، فأمر بصلاة الكسوف - الصلاة الطويلة- وأمر بالعتق. والصدقة، وأمر بالدعاء، والاستغفار. كما قال - صلى الله عليه وسلم: «إن البلاء والدعاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض» فالدعاء ونحوه يدفع البلاء النازل من السماء.

فإن قلت: من عوام الناس ـ وإن كان منتسبًا إلى علم ـ من يجزم بأن الحركات العلوية ليست سببًا لحدوث أمر البتة، وربما اعتقد أن تجويز ذلك وإثباته من جملة التنجيم المحرم، الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» رواه أبو داود وغيره، وربما احتج بعضهم بما فهمه من قوله: «لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته» واعتقد أن العلة هنا هي العلة الغائية: أي لا يكسفان ليحدث عن ذلك موت أو حياة.

قلت: قول هذا جهل، لأنه قول بلا علم، وقد حرم الله على الرجل أن ينفي ما ليس له به علم، وحرم عليه أن يقول على الله ما لا يعلم. وأخبر أن الذي يأمر بالقول بغير علم هو الشيطان فقال: {? ? ? ? ? ? } وقال: {? ? ? وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى ? ? ? ?} وقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله، ولا قال أحد من أهل العلم ذلك، ولا في العقل، وما يعلم بالعقل ما يعلم به نفي ذلك. وإنما نفي ذلك جزمًا بغير مثل نفي بعض الجهال أن تكون الأفلاك مستديرة: فمنهم من ينفي ذلك جزمًا، ومنهم من ينفي الجزم به على كل أحد، وكلاهما جهل. فمن أين له نفي ذلك، أو نفي العلم به عن جميع الخلق، ولا دليل له على ذلك إلاَّ ما قد يفهمه بفهمه الناقص.

هذا وقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أن الأفلاك مستديرة، قال الله ـ تعالى ـ: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} وقال: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ ? ? ?} وقال ـ تعالى ـ: {? ? ? ? ? ? ? ? اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ? ? ? ?} قال ابن عباس: في فلكة مثل فلكة المغزل، وهكذا في لسان العرب، الفلك الشيء المستدير. ومنه يقال: تفلك ثدي الجارية إذا استدار. قال ـ تعالى ـ: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى } والتكوير هو التدوير. ومنه قيل: كار العمامة، وكورها، إذا أدارها. ومنه قيل: للكرة كرة، وهي الجسم المستدير. ولهذا يقال للأفلاك: كروية الشكل، لأن أصل الكرة كورة، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وكورت الكارة إذا دورتها، ومنه الحديث: «إن الشمس والقمر يكوران يوم القيامة كأنهما ثوران في نار جهنم» وقال ـ تعالى ـ: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} مثل حسبان الرحا، وقال: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} وهذا إنما يكون فيما يستدير من أشكال الأجسام دون المضلعات من المثلث، أو المربع، أو غيرهما، فإنه يتفاوت لأن زواياه مخالفة لقوائمه، والجسم المستدير متشابه الجوانب والنواحي، ليس بعضه مخالفًا لبعض.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي الذي قال: إنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فقال: «ويحك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، إن شأنه عظيم من ذلك أن عرشه على سمواته هكذا» وقال بيده مثل القبة «وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه» رواه أبو داود وغيره من حديث جبير بن مطعم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنها أعلى الجنة، وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن» فقد أخبر أن الفردوس هي الأعلى والأوسط، وهذا لا يكون إلاَّ في الصورة المستديرة. فأما المربع ونحوه فليس أوسطه أعلاه، بل هو متساوٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت