الصفحة 74 من 214

ولم تتنازع الأمة في جواز الفطر للمسافر، فذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، وإنه إذا صام لم يجزه بل عليه أن يقضي، ويروى هذا عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وغيرهما من السلف وهو مذهب أهل الظاهر. وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس من البر الصوم في السفر» لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز للمسافر أن يصوم، وأن يفطر، كما في الصحيحين عن أنس قال: «كنا نسافر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» وقد قال الله ـ تعالى ـ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وفي المسند عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته» وفي الصحيح أن رجلًا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: إني رجل أكثر الصوم، أفاصوم في السفر؟ فقال: «إن أفطرت فحسن، وإن صمت فلا بأس» وفي حديث آخر: «خياركم الذين في السفر يقصرون ويفطرون» .

وأما مقدار السفر الذي يقصر فيه، ويفطر: فمذهب مالك والشافعي وأحمد أنه مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام، وهو ستة عشر فرسخًا، كما بين مكة وعُسفان، ومكة وجدة. وقال أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام. وقال طائفة من السلف والخلف: بل يقصر ويفطر في أقل من يومين. وهذا قول قوي، فإنه قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بعرفة، ومزدلفة، ومنى، يقصر الصلاة، وخلفه أهل مكة وغيرهم يصلون بصلاته، لم يأمر أحدًا منهم بإتمام الصلاة.

وإذا سافر في أثناء يوم، فهل يجوز له الفطر؟ على قولين مشهورين للعلماء، هما روايتان عن أحمد.

أظهرهما: أنه يجوز ذلك. كما ثبت في السنن أن من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه، ويذكر أن ذلك سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نوى الصوم في السفر، ثم إنه دعا بماء فأفطر، والناس ينظرون إليه.

وإما اليوم الثاني: فيفطر فيه بلا ريب، وإن كان مقدار سفره يومين في مذهب جمهور الأئمة والأمة.

وإما إذا قدم المسافر في إثناء يوم، ففي وجوب الإمساك عليه نزاع مشهور للعلماء، لكن عليه القضاء سواء أمسك أو لم يمسك.

ويفطر من عادته السفر إذا كان له بلد يأوي إليه. كالتاجر الجلاب الذي يجلب الطعام، وغيره من السلع، وكالمكاري الذي يكري دوابه من الجلاب وغيرهم. وكالبريد الذي يسافر في مصالح المسلمين، ونحوهم. وكذلك الملاح الذي له مكان في البر يسكنه.

فإما من كان معه في السفينة امرأته، وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرًا فهذا لا يقصر، ولا يفطر.

وأهل البادية: كأعراب العرب، والأكراد، والترك، وغيرهم الذين يشتون في مكان، ويصيفون في مكان، إذا كانوا في حال ظعنهم من المشتى إلى المصيف، ومن المصيف إلى المشتى: فإنهم يقصرون. وأما إذا نزلوا بمشتاهم، ومصيفهم، لم يفطروا، ولم يقصروا، وإن كانوا يتتبعون المراعي، والله أعلم.

وسئل - رحمه الله - / عمن يكون مسافرًا في رمضان، ولم يصبه جوع، ولا عطش، ولا تعب: فما الأفضل له، الصيام، أم الإفطار؟

فأجاب:

أما المسافر فيفطر باتفاق المسلمين، وإن لم يكن عليه مشقة، والفطر له أفضل. وإن صام جاز عند أكثر العلماء.

ومنهم من يقول لا يجزئه.

وسُئِلَ / عن إمام جماعة بمسجد مذهبه حنفي ذكر لجماعته أن عنده كتابًا فيه أن الصيام في شهر رمضان إذا لم ينو بالصيام قبل عشاء الآخرة، أو بعدها أو وقت السحور، وإلاَّ فما له في صيامه أجر: هل هذا صحيح؟ أم لا؟

فأجاب:

الحمد لله. على كل مسلم يعتقد أن الصوم واجب عليه، وهو يريد أن يصوم شهر رمضان النية، فإذا كان يعلم أن غدًا من رمضان فلا بد أن ينوي الصوم، فإن النية محلها القلب، وكل من علم ما يريد فلا بد أن ينويه.

والتكلم بالنية ليس واجبًا بإجماع المسلمين، فعامة المسلمين إنما يصومون بالنية، وصومهم صحيح بلا نزاع بين العلماء والله أعلم.

وسئل شيخ الإسلام / ما يقول سيدنا في صائم رمضان، هل يفتقر كل يوم إلى نية؟ أم لا؟

فأجاب:

كل من علم أن غدًا من رمضان وهو يريد صومه، فقد نوى صومه، سواء تلفظ بالنية، أو لم يتلفظ. وهذا فعل عامة المسلمين، كلهم ينوي الصيام.

وسئل / عن غروب الشمس: هل يجوز للصائم أن يفطر بمجرد غروبها؟

فأجاب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت