فهرس الكتاب
إذا غاب جميع القرص أفطر الصائم، ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في الأفق.
وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» .
وسئل / عما إذا أكل بعد أذان الصبح في رمضان، ماذا يكون؟.
فأجاب:
الحمد لله. أما إذا كان المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر، كما كان بلال يؤذن قبل طلوع الفجر على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكما يؤذن المؤذنون في دمشق وغيرها قبل طلوع الفجر، فلا بأس بالأكل والشرب بعد ذلك بزمن يسير.
وإن شك: هل طلع الفجر؟ أو لم يطلع؟ فله أن يأكل ويشرب حتى يتبين الطلوع، ولو علم بعد ذلك أنه أكل بعد طلوع الفجر، ففي وجوب القضاء نزاع.
والأظهر أنه لا قضاء عليه، وهو الثابت عن عمر، وقال به طائفة من السلف والخلف، والقضاء هو المشهور في مذهب الفقهاء الأربعة. والله أعلم.
وسئل / عن رجل كلما أراد أن يصوم أُغمي عليه، ويزبد ويخبط، فيبقى أيامًا لا يفيق، حتى يتهم أنه جنون. ولم يتحقق ذلك منه؟
فأجاب:
الحمد لله، إن كان الصوم يوجب له مثل هذا المرض، فإنه يفطر ويقضي، فإن كان هذا يصيبه في أي وقت صام، كان عاجزًا عن الصيام، فيطعم عن كل يوم مسكينًا. والله أعلم.
وسئل - رحمه الله - / عن امرأة حامل رأت شيئًا شبه الحيض، والدم مواظبها، وذكر القوابل أن المرأة تفطر لأجل منفعة الجنين، ولم يكن بالمرأة ألم: فهل يجوز لها الفطر؟ أم لا؟
فأجاب:
إن كانت الحامل تخاف على جنينها، فإنها تفطر، وتقضي عن كل يوم يومًا، وتطعم عن كل يوم مسكينًا، رطلًا من خبز بأدمه، والله أعلم.
وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلآَّ الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا.
فصل: فيما يفطر الصائم وما لا يفطر.
وهذا نوعان: منه ما يفطر بالنص والإجماع، وهو الأكل والشرب والجماع، قال ـ تعالى ـ: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فإذن في المباشرة، فعقل من ذلك أن المراد الصيام من المباشرة والأكل والشرب، ولما قال أولًا: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} كان معقولًا عندهم في الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، ولفظ «الصيام» كانوا يعرفونه قبل الإسلام ويستعملونه، كما في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - «أن يوم عاشوراء كان يومًا تصومه قريش في الجاهلية» .
وقد ثبت عن غير واحد أنه قبل أن يفرض شهر رمضان أمر بصوم يوم عاشوراء وأرسل مناديًا ينادي بصومه، فعلم أن مسمى هذا الاسم كان معروفًا عندهم.
وكذلك ثبت بالسنة واتفاق المسلمين أن دم الحيض ينافي الصوم، فلا تصوم الحائض، لكن تقضي الصيام.
وثبت بالسنة أيضًا من حديث لقيط بن صبرة أن النبي غ قال له: «بالغ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائما» فدل على أن إنزال الماء من الأنف يفطر الصائم وهو قول جماهير العلماء.
وفي السنن حديثان (أحدهما) حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة سدد خطاكم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء. وإن استقاء فليقض» وهذا الحديث لم يثبت عند طائفة من أهل العلم، بل قالوا: هو من قول أبي هريرة. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قال: ليس من ذا شيء. قال الخطابي: يريد أن الحديث غير محفوظ وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عنه فلم يعرفه إلاَّ عن عيسى بن يونس. قال: وما أراه محفوظًا. قال: وروى يحيى بن كثير، عن عمر بن الحكم، أن أبا هريرة كان لا يرى القيء يفطر الصائم.
قال الخطابي: وذكر أبو داود أن حفص بن غياث رواه عن هشام كما رواه عيسى بن يونس. قال: ولا أعلم خلافًا بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عامدًا فعليه القضاء. ولكن اختلفوا في الكفارة فقال عامة أهل العلم: ليس عليه غير القضاء، وقال عطاء: عليه القضاء والكفارة، وحكى عن الأوزاعي وهو قول أبي ثور.
قلت: وهو مقتضى إحدى الروايتين عن أحمد في إيجابه الكفارة على المحتجم فإنه أوجبها على المحتجم فعلى المستقيء أولى، لكن ظاهر مذهبه أن الكفارة لا تجب بغير الجماع كقول الشافعي.