الصفحة 76 من 214

والذين لم يثبتوا هذا الحديث لم يبلغهم من وجه يعتمدونه، وقد أشاروا إلى علته، وهو انفراد عيسى بن يونس، وقد ثبت أنه لم ينفرد به، بل وافقه عليه حفص بن غياث، والحديث الأخير يشهد له، وهو ما رواه أحمد وأهل السنن كالترمذي عن أبي الدرداء: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر» فذكرت ذلك لثوبان فقال: صدق، أنا صببت له وضوءًا، لكن لفظ أحمد: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فتوضأ» . رواه أحمد عن حسين المعلم.

قال الأثرم: قلت لأحمد: قد اضطربوا في هذا الحديث، فقال: حسين المعلم يجوده. وقال الترمذي: حديث حسين أرجح شيء في هذا الباب، وهذا قد استدل به على وجوب الوضوء، من القيء، ولا يدل على ذلك، فإنه إذا أراد بالوضوء الوضوء الشرعي فليس فيه إلاَّ أنه توضأ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل يدل على أن الوضوء من ذلك مشروع. فإذا قيل أنه مستحب كان فيه عمل بالحديث.

وكذلك ما روي عن بعض الصحابة من الوضوء من الدم الخارج ليس في شيء منه دليل على الوجوب، بل يدل على الاستحباب. وليس في الأدلة الشرعية ما يدل على وجوب ذلك، كما قد بسط في موضعه، بل قد روي الدارقطني وغيره عن حميد عن أنس قال: احتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتوضأ. ولم يزد على غسل محاجمه، ورواه ابن الجوزي في «حجة المخالف» ولم يضعفه، وعادته الجرح بما يمكن.

وأما الحديث الذي يروى «ثلاث لا تفطر: القيء، والحجامة، والاحتلام» وفي لفظ: «لا يفطرن لا من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم» فهذا إسناده الثابت ما رواه الثوري وغيره عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. هكذا رواه أبو داود. وهذا الرجل لا يعرف. وقد رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن عبد الرحمن ضعيف عند أهل العلم بالرجال.

قلت: روايته عن زيد من وجهين مرفوعًا لا يخالف روايته المرسلة بل يقويها، والحديث ثابت عن زيد بن أسلم، لكن هذا فيه «إذا ذرعه القيء» .

وأما حديث الحجامة فإما أن يكون منسوخًا وإما أن يكون ناسخًا لحديث ابن عباس «إنه احتجم وهو محرم صائم» أيضًا، ولعل فيه القيء إن كان متناولًا للاستقاءة هو أيضًا منسوخ. وهذا يؤيد أن النهي عن الحجامة هو المتأخر، فإنه إذا تعارض نصان ناقل وباق على الاستصحاب، فالناقل هو الراجح في أنه الناسخ، ونسخ أحدهما يقوي نسخ قرينه. ورواه غير واحد عن زيد بن أسلم مرسلًا. وقال يحيى بن معين: حديث زيد بن أسلم ليس بشيء، ولو قدر صحته لكان المراد من ذرعه القيء فإنه قرنه بالاحتلام، ومن احتلم بغير اختياره كالنائم لم يفطر باتفاق الناس.

وأما من استمنى فأنزل فإنه يفطر، ولفظ الاحتلام إنما يطلق على من احتلم في منامه.

وقد ظن طائفة أن القياس أن لا يفطِّر شيء من الخارج وأن المستقيء إنما أفطر لأنه مظنة رجوع بعض الطعام، وقالوا إن فطر الحائض على خلاف القياس. وقد بسطنا في الأصول أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس الصحيح.

فإن قيل: فقد ذكرتم أن من أفطر عامدًا بغير عذر كان فطره من الكبائر، وكذلك من فوت صلاة النهار إلى الليل عامدًا من غير عذر كان تفويته لها من الكبائر، وإنها ما بقيت تقبل منه على أظهر قولي العلماء، كمن فوت الجمعة ورمى الجمار وغير ذلك من العبادات المؤقتة وهذا قد أمره بالقضاء.

وقد روي في حديث المجامع في رمضان أنه أمره بالقضاء؟ قيل هذا إنما أمره بالقضاء لأن الإنسان إنما يتقيأ لعذر كالمريض يتداوى بالقيء، أو يتقيأ لأنه أكل ما فيه شبهة كما تقيأ أبو بكر من كسب المتكهن.

وإذا كان المتقيء معذورًا كان ما فعله جائزًا وصار من جملة المرضى الذين يقضون، ولم يكن من أهل الكبائر الذي أفطروا بغير عذر، وأما أمره للمجامع بالقضاء فضعيف، ضعفه غير واحد من الحفاظ. وقد ثبت هذا الحديث من غير وجه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة ولم يذكر أحد أمره بالقضاء، ولو كان أمره بذلك لما أهمله هؤلاء كلهم وهو حكم شرعي يجب بيانه، ولما لم يأمره به دل على أن القضاء لم يبق مقبولًا منه. وهذا يدل على أنه كان متعمدًا للفطر لم يكن ناسيًا ولا جاهلًا.

والمجامع الناسي فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، ويذكر ثلاث روايات عنه:

أحداها: لا قضاء عليه ولا كفارة، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والأكثرين.

والثانية: عليه القضاء بلا كفارة وهو قول مالك.

والثالثة: عليه الأمران وهو المشهور عن أحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت