الصفحة 77 من 214

والأول أظهر كما قد بسط في موضعه، فإنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة أن من فعل محظورًا مخطئًا أو ناسيًا لم يؤاخذه الله بذلك وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله، فلا يكون عليه إثم، ومن لا إثم عليه لم يكن عاصيًا ولا مرتكبًا لما نهي عنه، وحينئذ فيكون قد فعل ما أمر به ولم يفعل ما نهى عنه، ومثل هذا لا يبطل عبادته، إنما يبطل العبادات إذا لم يفعل ما أمر به أو فعل ما حظر عليه.

وطرد هذا أن الحج لا يبطل بفعل شيء من المحظورات لا ناسيًا ولا مخطئًا لا الجماع ولا غيره وهو أظهر قولي الشافعي.

وأما الكفارة والفدية فتلك وجبت لأنها بدل المتلف من جنس ما يجب ضمان المتلف بمثله، كما لو أتلفه صبي أو مجنون أو نائم ضمنه بذلك، وجزاء الصيد إذا وجب على الناسي والمخطئ فهو من هذا الباب بمنزلة دية المقتول خطأ والكفارة الواجبة بقتله خطأ بنص القرآن وإجماع المسلمين.

وأما سائر المحظورات فليست من هذا الباب، وتقليم الأظافر وقص الشارب والترفه المنافي للتفث كالطيب واللباس، ولهذا كانت فديتها من جنس فدية المحظورات ليست بمنزلة الصيد المضمون بالبدل، فأظهر الأقوال في الناسي والمخطئ إذا فعل محظورًا أن لا يضمن من ذلك إلَّا الصيد.

وللناس فيه أقوال هذا أحدها وهو قول أهل الظاهر.

والثاني: يضمن الجميع مع النسيان كقول أبي حنيفة وإحدى الروايات عن أحمد، واختاره القاضي وأصحابه.

والثالث يفرق بين ما فيه إتلاف كقتل الصيد والحلق والتقليم وما ليس فيه إتلاف كالطيب واللباس، وهذا قول الشافعي وأحمد في الرواية الثابتة، واختارها طائفة من أصحابه، وهذا القول أجود من غيره، لكن إزالة الشعر والظفر ملحق باللباس والطيب لا بقتل الصيد هذا أجود.

والرابع إن قتل الصيد خطأ لا يضمنه وهو رواية عن أحمد فخرجوا عليه الشعر والظفر بطريق الأولى.

وكذلك طرد هذا أن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيًا أو مخطئًا فلا قضاء عليه وهو قول طائفة من السلف والخلف. ومنهم من يفطر الناسي والمخطئ كمالك، وقال أبو حنيفة: هذا هو القياس لكن خالفه لحديث أبي هريرة في الناسي، ومنهم من قال: لا يفطر الناسي ويفطر المخطئ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، فأبو حنيفة جعل الناسي موضع استحسان، وأما أصحاب الشافعي وأحمد فقالوا: النسيان لا يفطر، لأنه لا يمكن احتراز منه، بخلاف الخطأ فإنه يمكنه أن لا يفطر حتى يتيقن غروب الشمس، وأن يمسك إذا شك في طلوع الفجر.

وهذا التفريق ضعيف والأمر بالعكس. فإن السنة للصائم أن يعجل الفطر ويؤخر السحور، ومع الغيم المطبق لا يمكن اليقين الذي لا يقبل الشك إلَّا بعد أن يذهب وقت طويل جدًا يفوت مع المغرب ويفوت معه تعجيل الفطور، والمصلي مأمور بصلاة المغرب وتعجيلها، فإذا غلب على ظنه غروب الشمس أمر بتأخير المغرب إلى حد اليقين، فربما يؤخرها حتى يغيب الشفق وهو لا يستيقن غروب الشمس وقد جاء عن إبراهيم النخعي وغيره من السف، وهو مذهب أبي حنيفة أنهم كانوا يستحبون في الغيم تأخير المغرب وتعجيل العشاء وتأخير الظهر وتقديم العصر وقد نص على ذلك أحمد وغيره، وقد علل ذلك بعض أصحابه بالاحتياط لدخول الوقت، وليس كذلك، فإن هذا خلاف الاحتياط في وقت العصر والعشاء وإنما سن ذلك لأن هاتين الصلاتين يجمع بينهما للعذر، وحال الغيم عذر، فأخرت الأولى من صلاتي الجمع وقدمت

الثانية لمصلحتين:

أحداهما: التخفيف عن الناس حتى يصلوها مرة واحدة لأجل خوف المطر كالجمع بينهما مع المطر.

والثانية: أن يتيقن دخول وقت المغرب، وكذلك يجمع بين الظهر والعصر على أظهر القولين، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ويجمع بينهما للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة ونحو ذلك في أظهر قولي العلماء وهو قول مالك وأظهر القولين في مذهب أحمد.

الثاني: أن الخطأ في تقديم العصر والعشاء أولى من الخطأ في تقديم الظهر والمغرب، فإن فعل هاتين قبل الوقت لا يجوز بحال بخلاف تينك، فإنه يجوز فعلهما في وقت الظهر والمغرب، لأن ذلك وقت لهما حال العذر، وحال الاشتباه حال عذر، فكان الجمع بين الصلاتين مع الاشتباه أولى من الصلاة مع الشك.

وهذا فيه ما ذكره أصحاب المأخذ الأول من الاحتياط، لكنه احتياط مع تيقن الصلاة في الوقت المشترك، ألا ترى أن الفجر لم يذكروا فيها هذا الاستحباب ولا في العشاء والعصر، ولو كان لعلم خوف الصلاة قبل الوقت لطرد هذا في الفجر ثم يطرد في العصر والعشاء.

وقد جاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتبكير بالعصر في يوم الغيم، فقال: «بكروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»

فإن قيل: فإذا كان يستحب أن يؤخر المغرب مع الغيم فكذلك يؤخر الفطور. قيل: إنما يستحب تأخيرها مع تقديم العشاء بحيث يصليهما قبل مغيب الشفق، فأما تأخيرها إلى أن يخاف مغيب الشفق فلا يستحب، ولا يستحب تأخير الفطور إلى هذه الغاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت