الصفحة 78 من 214

ولهذا كان الجمع المشروع مع المطر هو جمع التقديم في وقت المغرب ولا يستحب أن يؤخر بالناس المغرب إلى مغيب الشفق، بل هذا حرج عظيم على الناس وإنما شرع الجمع لئلا يحرج المسلمون.

وأيضًا فليس التأخير والتقديم المستحب أن يفعلهما مقترنتين، بل أن يؤخر الظهر ويقدم العصر، ولو كان بينهما فصل في الزمان. وكذلك في المغرب والعشاء بحيث يصلون الواحدة وينتظرون الأخرى لا يحتاجون إلى ذهاب إلى البيوت ثم رجوع، وكذلك جواز الجمع لا يشترط له الموالاة في أصح القولين، كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع.

وأيضًا فقد ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قالت: «أفطرنا يومًا من رمضان في غيم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم طلعت الشمس» وهذا يدل على شيئين: على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب: فإنهم لم يفعلوا ذلك ولم يأمرهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ولرسوله ممن جاء بعدهم. «والثاني» لا يجب القضاء فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه لم يأمرهم به.

فإن قيل: فقد قيل لهشام بن عروة: أمروا بالقضاء؟ قال: أو بد من القضاء؟

قيل: هشام قال ذلك برأيه، لم يرو ذلك في الحديث، ويدل على أنه لم يكن عنده بذلك علم: أن معمرًا روى عنه قال: سمعت هشامًا قال: لا أدري أقضوا أم لا؟ ذكر هذا وهذا عنه البخاري، والحديث رواه عن أمه فاطمة بنت المنذر عن أسماء.

وقد نقل هشام عن أبيه عروة أنه لم يؤمروا بالقضاء، وعروة أعلم من ابنه، وهذا قول إسحاق بن راهويه - وهو قرين أحمد بن حنبل، ويوافقه في المذهب: أصوله وفروعه، وقولهما كثيرًا ما يجمع بينه. والكوسج سأل مسائله لأحمد وإسحاق، وكذلك حرب الكرماني سأل مسائله لأحمد وإسحاق، وكذلك غيرهما، ولهذا يجمع الترمذي قول أحمد وإسحاق، فإنه روى قولهما في مسائل الكوسج.

وكذلك أبوزرعة وأبو حاتم وابن قتيبة وغير هؤلاء من أئمة السلف والسنة والحديث وكانوا يتفقون على مذهب أحمد وإسحاق يقدمون قولهما على أقوال غيرهما، وأئمة الحديث كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم هم أيضًا من أتباعهما وممن يأخذ العلم والفقه عنهما، وداود من أصحاب إسحاق.

وقد كان أحمد بن حنبل إذا سئل عن إسحاق يقول: أنا أُسأل عن إسحاق إسحاق يسأل عني.

والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن نصر المروزي وداود بن علي ونحو هؤلاء كلهم فقهاء الحديث ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ.

وأيضًا فإن الله قال في كتابه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} وهذه الآية مع الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تبين أنه مأمور بالأكل إلى أن يظهر الفجر فهو مع الشك في طلوعه مأمور بالأكل كما قد بسط في موضعه.

فصل: وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله، ومداواة المأمومة والجائفة فهذا مما تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطِّر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بالجميع لا بالكحل، ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير، ومنهم من لم يفطر بالكحل ولا بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك.

والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك. فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه. فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك حديثًا صحيحًا ولا ضعيفًا ولا مسندًا ولا مرسلًا علم أنه لم يذكر شيئًا من ذلك. والحديث المروي في الكحل ضعيف رواه أبو داود في السنن ولم يروه غيره ولا هو في مسند أحمد ولا سائر الكتب المعتمدة. قال أبو داود: حدثنا النفيلي، ثنا علي ابن ثابت، حدثني عبد الرحمن بن النعمان، ثنا معبد ابن هودة، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم. وقال: ليتقه الصائم» قال أبو داود: وقال يحيى بن معين: هذا حديث منكر. قال المنذري وعبد الرحمن: قال يحيى بن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: هو صدوق، لكن من الذي يعرف أباه وعدالته وحفظه؟

وكذلك حديث معبد قد عورض بحديث ضعيف وهو ما رواه الترمذي بسنده عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: اشتكيت عيني أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: «نعم» قال الترمذي: ليس بالقوي، ولا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب شيء. وفيه أبو عاتكة. قال البخاري: منكر الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت