فهرس الكتاب
فإن قيل: هذا تطبخه المعدة ويستحيل دمًا ينمي عنه البدن لكنه غذاء ناقص فهو كما لو أكل سمًا أو نحوه مما يضره، وهو بمنزلة من أكل أكلًا كثيرًا أورثه تخمة ومرضًا، فكان منعه في الصوم عن هذا أوكد، لأنه ممنوع عنه في الإفطار وبقي الصوم أوكد، وهذا كمنعه من الزنا فإنه إذا منع من الوطء المباح فالمحظور أولى.
فإن قيل: فالجماع مفطر، وهذه العلة منتفية فيه؟
قيل: تلك أحكام ثابتة بالنص والإجماع فلا يحتاج إثباتها إلى القياس، بل يجوز أن تكون العلل مختلفة، فيكون تحريم الطعام والشراب والفطر بذلك لحكمة، وتحريم الجماع والفطر به لحكمة، والفطر بالحيض لحكمة، فإن الحيض لا يقال فيه إنه يحرم، وهذا لأن المفطرات بالنص والإجماع لما انقسمت إلى أمور اختياريه تحرم على العبد كالأكل والجماع، وإلى أمور لا اختيار له فيها كدم الحيض، كذلك تنقسم عللها.
فنقول: أما الجماع فإنه باعتبار أنه سبب إنزال المني يجري مجرى الاستقاءة والحيض والاحتجام ـ كما سنبينه إن شاء الله تعالى ـ فإنه من نوع الاستفراغ لا الامتلاء كالأكل والشرب، ومن جهة أنه إحدى الشهوتين فجرى مجرى الأكل والشرب، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح عن الله ـ تعالى ـ: «قال: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي» فترك الإنسان ما يشتهيه لله هو عبادة مقصودة يثاب عليها كما يثاب المحرم على ترك ما اعتاده من اللباس والطيب ونحو ذلك من نعيم البدن، والجماع من أعظم نعيم البدن، وسرور النفس وانبساطها، هو يحرك الشهوة والدم والبدن أكثر من الأكل، فإذا كان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والغذاء يبسط الدم الذي هو مجاريه، فإذا أكل أو شرب انبسطت نفسه إلى الشهوات، وضعفت إرادتها ومحبتها للعبادات، فهذا المعنى في الجماع أبلغ فإنه يبسط إرادة النفس للشهوات، ويضعف إرادتها عن العبادات أعظم، بل الجماع هو غاية الشهوات، وشهوته أعظم من شهوة الطعام والشراب، ولهذا أوجب على المجامع كفارة الظهار فوجب عليه العتق أو ما يقوم مقامه بالسنة والإجماع، لأن هذا أغلظ، وداعيه أقوى والمفسدة به أشد. فهذا أعظم الحكمتين في تحريم الجماع.
وأما كونه يضعف البدن كالاستفراغ فذاك حكمة أخرى فصار فيها كالأكل والحيض وهو في ذلك أبلغ منهما فكان إفساده الصوم أعظم من إفساد الأكل والحيض.
فنذكر حكمة الحيض وجريان ذلك على وفق القياس، فنقول: إن الشرع جاء بالعدل في كل شيء. والإسراف في العبادات من الجور الذي نهى عنه الشارع وأمر بالاقتصاد في العبادات، ولهذا أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور، ونهى عن الوصال وقال: «أفضل الصيام وأعدل الصيام صيام داود عليه السلام، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى» فالعدل في العبادات من أكبر مقاصد الشرع، ولهذا قال ـ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية. فجعل تحريم الحلال من الاعتداء المخالف للعدل، وقال ـ تعالى ـ: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} فلما كانوا ظالمين عوقبوا بأن حرمت عليهم الطيبات بخلاف الأمة الوسط العدل فإنه أحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث.
وإذا كان كذلك فالصائم قد نهي عن أخذ ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب، فينهى عن إخراج ما يضعفه ويخرج مادته التي بها يتغذى، وإلَّا فإذا مكن من هذا ضره وكان متعديًا في عبادته لا عادلًا.
والخارجات نوعان: نوع يخرج لا يقدر على الاحتراز منه أو على وجه لا يضره فهذا لا يمنع منه كالأخبثين، فإن خروجهما لا يضره ولا يمكنه الاحتراز منه أيضًا، ولو استدعى خروجهما فإن خروجهما لا يضره بل ينفعه. وكذلك إذا ذرعه القيء لا يمكنه الاحتراز منه، وكذلك الاحتلام في المنام لا يمكنه الاحتراز منه، وأما إذا استقاء بالقيء يخرج ما يتغذى به من الطعام والشراب المستحيل في المعدة، وكذلك الاستمناء مع ما فيه من الشهوة فهو يخرج المني الذي هو مستحيل في المعدة عن الدم، فهو يخرج الدم الذي يتغذى به، ولهذا كان خروج المني إذا أفرط فيه يضر الإنسان ويخرج أحمر.
والدم الذي يخرج بالحيض فيه خروج الدم، والحائض يمكنها أن تصوم في غير أوقات الدم في حال لا يخرج فيها دمها، فكان صومها في تلك الحال صومًا معتدلًا لا يخرج فيه الدم الذي يقوي البدن الذي هو مادته، وصومها في الحيض يوجب أن يخرج فيها دمها، الذي هو مادتها ويوجب نقصان بدنها وضعفها وخروج صومها عن الاعتدال، فأمرت أن تصوم في غير أوقات الحيض.