الصفحة 83 من 214

بخلاف المستحاضة، فإن الاستحاضة تعم أوقات الزمان، وليس لها وقت تؤمر فيه بالصوم، وكان ذلك لا يمكن الاحتراز منه: كذرع القيء، وخروج الدم بالجراح والدمامل والاحتلام ونحو ذلك مما ليس له وقت محدد يمكن الاحتراز منه، فلم يجعل هذا منافيًا للصوم كدم الحيض.

وطرد هذا إخراج الدم بالحجامة والفصاد ونحو ذلك، فإن العلماء متنازعون في الحجامة هل تفطر الصائم أم لا؟ والأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» كثيرة قد بينها الأئمة الحفاظ.

وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم، وكان منهم من لا يحتجم إلاَّ بالليل. وكان أهل البصرة إذا دخل شهر رمضان أغلقوا حوانيت الحجامين. والقول بأن الحجامة تفطر مذهب أكثر فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية، وابن خزيمة، وابن المنذر وغيرهم.

وأهل الحديث الفقهاء فيه العاملون به أخص الناس باتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -. والذين لم يروا إفطار المحجوم احتجوا بما ثبت في الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم محرم» وأحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة وهي قوله: «وهو صائم» وقالوا: الثابت أنه احتجم وهو محرم، قال أحمد: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم حديث مقسم في الحجامة للصائم، يعني حديث شعبة، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم محرم» .

قال مهنا: سألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحتجم وهو صائم محرم» فقال: ليس بصحيح، وقد أنكره يحيى بن سعيد الأنصاري، قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله رد هذا الحديث فضعفه، وقال: كانت كتب الأنصاري ذهبت في أيام المنتصر فكان بعد يحدث من كتب غلامه وكان هذا من تلك.

وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث قبيصة عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس الخ فقال: هو خطأ من قبل قبيصة. وسألت يحيى عن قبيصة فقال: رجل صدق، والحديث الذي يحدث به عن سفيان عن سعيد خطأ من قبله.

قال مهنا: سألت أحمد عن حديث ابن عباس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم صائم» فقال ليس فيه «صائم» إنما هو «محرم» ذكره سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: «احتجم النبي - صلى الله عليه وسلم - على رأسه وهو محرم» وعن طاوس وعطاء مثله عن ابن عباس، وعن عبدالرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله، وهؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون «صائمًا» .

قلت: وهذا الذي ذكره الإمام أحمد هو الذي اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، ولهذا أعرض مسلم عن الحديث الذي ذكر حجامة الصائم ولم يثبت إلاَّ حجامة المحرم. وتأولوا أحاديث الحجامة بتأويلات ضعيفة، كقولهم: كانا يغتابان، وقولهم أفطر لسبب آخر، وأجود ما قيل ما ذكره الشافعي وغيره أن هذا منسوخ، فإن هذا القول كان في رمضان، واحتجامه وهو محرم كان بعد ذلك، لأن الإحرام بعد رمضان. وهذا أيضًا ضعيف، بل هو صلوات الله عليه أحرم سنة ست عام الحديبية بعمرة في ذي القعدة، وأحرم من العام القابل بعمرة القضية في ذي القعدة، وأحرم من العام الثالث سنة الفتح من الجعرانة في ذي القعدة بعمرة، وأحرم سنة عشر بحجة الوداع في ذي القعدة، فاحتجامه - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم صائم لم يبين في أي الإحرامات كان.

والذي يقوي أن إحرامه الذي احتجم فيه كان قبل فتح مكة: «أفطر الحاجم والمحجوم» فإنه كان عام الفتح بلا ريب هكذا في أجود الأحاديث. وروى أحمد بإسناده عن ثوبان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى على رجل يحتجم في رمضان قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» .

وقال أحمد: أنبأنا إسماعيل، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن الأشعث، عن شداد بن أوس. أنه مر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - زمن الفتح على رجل محتجم بالبقيع لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» وقال الترمذي: سألت البخاري فقال: ليس في هذا الباب أصح من حديث شداد بن أوس وحديث ثوبان، فقلت: وما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح، لأن يحيى بن سعيد روى عن أبي قلابة، عن أبي أسماء عن ثوبان، عن أبي الأشعث، عن شداد الحديثين جميعًا.

قلت: وهذا الذي ذكره البخاري من أظهر الأدلة على صحة كلا الحديثين اللذين رواهما أبو قلابة ـ إلى أن قال ـ ومما يقوي أن الناسخ هو الفطر بالحجامة أن ذلك رواه عنه خواص أصحابه الذين كانوا يباشرونه حضرًا وسفرًا، ويطلعون على باطن أمره مثل بلال وعائشة، ومثل أسامة وثوبان مولياه، ورواه عنه الأنصار الذين هم بطانته مثل رافع بن خديج وشداد بن أوس، وفي مسند أحمد عن رافع بن خديج عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» قال أحمد: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع، وذكر أحاديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» إلى أن قال: ثم اختلفوا على أقوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت