الصفحة 84 من 214

إحداها: يفطر المحجوم دون الحاجم، ذكره الخرقي، لكن المنصوص عن أحمد وجمهور أصحابه الإفطار بالأمرين، والنص دال على ذلك فلا سبيل إلى تركه.

والثاني: أنه يفطر المحجوم الذي يحتجم ويخرج منه الدم، ولا يفطر بالافتصاد ونحوه، لأنه لا يسمى احتجامًا وهذا قول القاضي وأصحابه فالتشريط في الآذان هل هو داخل في مسمى الحجامة؟ تنازع فيه المتأخرون. فبعضهم يقول: التشريط كالحجامة، كما يقوله شيخنا أبو محمد المقدسي، وعليه يدل كلام العلماء قاطبة، فليس منهم من خص التشريط بذكر، ولو كان عندهم لا يدخل في الحجامة لذكروه، كما ذكروا الفصاد، فعلم أن التشريط عندهم من نوع الحجامة، وقال شيخنا أبو محمد: هذا هو الصواب. إلى أن قال:

والرابع: وهو الصواب واختاره أبو المظفر ابن هبيرة الوزير العالم العادل وغيره أنه يفطر بالحجامة والفصاد ونحوهما، وذلك لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفصاد شرعًا وطبعًا، وحيث حض النبي - صلى الله عليه وسلم - على الحجامة وأمر بها فهو حض على ما في معناها من الفصاد وغيره، لكن الأرض الحارة تجتذب الحرارة فيها دم البدن فيصعد إلى سطح الجلد فيخرج بالحجامة. والأرض الباردة يغور الدم فيها إلى العروق هربًا من البرد، فإن شبه الشيء منجذب إليه كما تسخن الأجواف في الشتاء وتبرد في الصيف، فأهل البلاد الباردة لهم الفصاد وقطع العروق، كما للبلاد الحارة الحجامة، لا فرق بينهما في شرع ولا عقل.

وقد بينا أن الفطر بالحجامة على وفق الأصول والقياس، وأنه من جنس الفطر بدم الحيض والاستقاءة وبالاستمناء. وإذا كان كذلك فبأي وجه أراد إخراج الدم أفطر، كما أنه بأي وجه أخرج القيء أفطر سواء جذب القيء بإدخال يده، أو بشم ما يقيئه، أو وضع يده تحت بطنه واستخراج القيء، فتلك طرق لإخراج القيء، وهذه طرق لإخراج الدم ولهذا كان خروج الدم بهذا وهذا سواء في (باب الطهارة) . فتبين بذلك كمال الشرع واعتداله وتناسبه، وأن ما ورد من النصوص ومعانيها فإن بعضه يصدق بعضًا ويوافقه {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} .

وأما الحاجم فإنه يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، والهواء يجتذب ما فيها من الدم فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل في حلقه وهو لا يشعر، والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بالمظنة. كما أن النائم الذي تخرج منه الريح ولا يدري يؤمر بالوضوء. فكذلك الحاجم يدخل شيء من الدم مع ريقه إلى بطنه وهو لا يدري.

والدم من أعظم المفطرات فإنه حرام في نفسه لما فيه من طغيان الشهوة، والخروج عن العدل، والصائم أمر بحسم مادته، فالدم يزيد الدم فهو من جنس المحظور. فيفطر الحاجم لهذا، كما ينتقض وضوء النائم، وإن لم يستيقن خروج الريح منه، لأنه يخرج ولا يدري، وكذلك الحاجم قد يدخل الدم في حلقه وهو لا يدري.

وأما الشارط فليس بحاجم، وهذا المعنى منتفٍ فيه فلا يفطر الشارط، وكذلك لو قدر حاجم لا يمص القارورة بل يمتص غيرها أو يأخذ الدم بطريق أخرى لم يفطر.

والنبي - صلى الله عليه وسلم - كلامه خرج على الحاجم المعروف المعتاد. وإذا كان اللفظ عامًا وإن كان قصده شخصًا بعينه فيشترك في الحكم سائر النوع، للعادة الشرعية من أن ما ثبت في حق الواحد من الأمة ثبت في حق الجميع، فهذا أبلغ، فلا يثبت بلفظه ما يظهر لفظًا ومعنىً أنه لم يدخل فيه مع بعده عن الشرع والعقل والله أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

وسئل / عن رجل باشر زوجته، وهو يسمع المتسحر يتكلم، فلا يدري: أهو يتسحر؟ أم يؤذن؟ ثم غلب على ظنه أنه يتسحر، فوطئها، وبعد يسير أضاء الصبح، فما الذي يجب عليه؟ أفتونا مأجورين.

فأجاب:

هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال:

أحدها: عليه القضاء، والكفارة. هذا إحدى الروايتين عن أحمد.

وقال مالك: عليه القضاء لا غيره، وهذه الرواية الأخرى عنه، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة وغيرهما.

والثالث: لا قضاء، ولا كفارة عليه. وهذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أظهر الأقوال، ولأن الله ـ تعالى ـ عفا عن الخطأ والنسيان، وأباح - سبحانه وتعالى - الأكل والشرب والجماع حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. والشاك في طلوع الفجر يجوز له الأكل والشرب والجماع بالاتفاق، ولا قضاء عليه إذا استمر الشك.

وسئل - رحمه الله - / عن رجل أراد أن يواقع زوجته في شهر رمضان بالنهار، فأفطر بالأكل قبل أن يجامع، ثم جامع، فهل عليه كفارة أم لا؟ وما على الذي يفطر من غير عذر؟

فأجاب:

الحمد لله. هذه المسألة فيها قولان للعلماء مشهوران:

أحدهما: تجب، وهو قول جمهورهم: كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت