الصفحة 85 من 214

والثاني: لا تجب، وهو مذهب الشافعي، وهذان القولان مبناهما: على أن الكفارة سببها الفطر من الصوم، أو من الصوم الصحيح، بجماع، أو بجماع وغيره، على اختلاف المذاهب. فإن أبا حنيفة يعتبر الفطر بأعلى جنسه، ومالك يعتبر الفطر مطلقًا، فالنزاع بينهما إذا أفطر بابتلاع حصاة أو نواة ونحو ذلك. وعن أحمد رواية أنه إذا أفطر بالحجامة كفَّر، كغيرها من المفطرات، بجنس الوطء، فأما الأكل والشرب ونحوهما فلا كفارة في ذلك.

ثم تنازعوا هل يشترط الفطر من الصوم الصحيح؟ فالشافعي وغيره يشترط ذلك فلو أكل ثم جامع، أو أصبح غير ناوٍ للصوم ثم جامع، أو جامع وكفَّر ثم جامع: لم يكن عليه كفارة، لأنه لم يطأ في صوم صحيح.

وأحمد في ظاهر مذهبه وغيره يقول: بل عليه كفارة في هذه الصور، ونحوها، لأنه وجب عليه الإمساك في شهر رمضان، فهو صوم فاسد، فأشبه الإحرام الفاسد.

وكما أن المحرم بالحج إذا أفسد إحرامه لزمه المضي فيه بالإمساك عن محظوراته، فإذا أتى شيئًا منها كان عليه ما عليه من الإحرام الصحيح، وكذلك من وجب عليه صوم شهر رمضان إذا وجب عليه الإمساك فيه وصومه فاسد، لأكل أو جماع، أو عدم نية، فقد لزمه الإمساك عن محظورات الصيام. فإذا تناول شيئًا منها كان عليه ما عليه في الصوم الصحيح. وفي كلا الموضعين عليه القضاء.

وذلك لأن هتك حرمة الشهر حاصلة في الموضعين، بل هي في هذا الموضع أشد، لأنه عاصٍ بفطره أولًا، فصار عاصيًا مرتين، فكانت الكفارة عليه أوكد، ولأنه لو لم تجب الكفارة على مثل هذا لصار ذريعة إلى أن لا يكفر أحد، فإنه لا يشاء أحد أن يجامع في رمضان إلَّا أمكنه أن يأكل ثم يجامع بل ذلك أعون له على مقصوده، فيكون قبل الغداء عليه كفارة، وإذا تغذى هو وامرأته ثم جامعها فلا كفارة عليه، وهذا شنيع في الشريعة لا ترد بمثله.

فإنه قد استقر في العقول والأديان أنه كلما عظم الذنب كانت العقوبة أبلغ، وكلما قوي الشبه قويت، والكفارة فيها شوب العبادة، وشوب العقوبة، وشرعت زاجرة وماحية، فبكل حال قوة السبب يقتضي قوة المسبب.

ثم الفطر بالأكل لم يكن سببًا مستقلًا موجبًا للكفارة. كما يقوله أبو حنيفة، ومالك، فلا أقل أن يكون معينًا للسبب المستقل، بل يكون مانعًا من حكمه، وهذا بعيد عن أصول الشريعة.

ثم المجامع كثيرًا ما يفطر قبل الإيلاج، فتسقط الكفارة عنه بذلك على هذا القول، وهذا ظاهر البطلان، والله أعلم.

وسئل / عن رجل أفطر نهار رمضان متعمدًا، ثم جامع: فهل يلزمه القضاء والكفارة؟ أم القضاء بلا كفارة؟

فأجاب:

عليه القضاء.

وأما الكفارة فتجب في مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، ولا تجب عند الشافعي.

وسئل / عن رجل وطىء امرأته وقت طلوع الفجر معتقدًا بقاء الليل، ثم تبين أن الفجر قد طلع، فما يجب عليه؟

فأجاب:

الحمد لله. هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم.

أحدها: أن عليه القضاء والكفارة، وهو المشهور من مذهب أحمد.

والثاني: أن عليه القضاء، وهو قول ثانٍ في مذهب أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك.

والثالث: لا قضاء عليه، ولا كفارة. وهذا قول طوائف من السلف: كسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، وإسحاق، وداود، وأصحابه والخلف، وهؤلاء يقولون: من أكل معتقدًا طلوع الفجر، ثم تبين له أنه لم يطلع. فلا قضاء عليه.

وهذا القول أصح الأقوال، وأشبهها بأصول الشريعة، ودلالة الكتاب والسنة، وهو قياس أصول أحمد وغيره، فإن الله رفع المؤاخذة عن الناسي، والمخطئ، وهذا مخطئ، وقد أباح الله الأكل والوطء حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، واستحب تأخير السحور، ومن فعل ما ندب إليه، وأُبيح له، لم يفرط فهذا أولى بالعذر من الناسي، والله أعلم.

وسئل / عما إذا قبل زوجته، أو ضمها، فأمذى. هل يفسد صومه؟ أم لا؟

فأجاب:

يفسد الصوم بذلك عند أكثر العلماء.

وسئل / عمن أفطر في رمضان الخ.

فأجاب:

إذا أفطر في رمضان مستحلًا لذلك، وهو عالم بتحريمه استحلالًا له، وجب قتله، وإن كان فاسقًا عوقب عن فطره في رمضان بحسب ما يراه الإمام، وأخذ منه حد الزنا، وإن كان جاهلًا عرف بذلك، وأخذ منه حد الزنا، ويرجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام. والله أعلم.

وسئل - رحمه الله - عن المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وذوق الطعام، والقيء، وخروج الدم، والادهان، والاكتحال؟

فأجاب:

أما المضمضة والاستنشاق فمشروعان للصائم باتفاق العلماء. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة يتمضمضون ويستنشقون مع الصوم. لكن قال للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلاَّ أن تكون صائمًا» فنهاه عن المبالغة، لاعن الاستنشاق.

وأما السواك فجائز بلا نزاع، لكن اختلفوا في كراهيته بعد الزوال على قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد. ولم يقم على كراهيته دليل شرعي يصلح أن يخص عمومات نصوص السواك، وقياسه على دم الشهيد ونحوه ضعيف من وجوه. كما هو مبسوط في موضعه.

ذوق الطعام يكره لغير حاجة، لكن لا يفطره، وأما للحاجة فهو كالمضمضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت