الصفحة 99 من 214

وأما قول القائل: لأهل كل بلد رؤيتهم، فهذا كلام غير صحيح، ولا عليه عمل، ولا رأيناه في كتب الحديث، أفلا يتقي الله هذا المعارض لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله بقول كريب، فأي دلالة في حديث كريب؟! لكن نقول: من لم ينفعه عمله ضره جهله.

سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين، رحمه الله من قراءة آيات الصيام، أول ليلة من رمضان في العشاء؟

فأجاب:

لا أعلم لهذا أصلًا، وإنما استحب أحمد في رواية عنه: قراءة سورة القلم في العشاء الآخرة أول ليلة من رمضان، واستحبه الشيخ تقي الدين، وأما قراءة آخر سورة المائدة فما علمنا أحدًا استحبه.

وسئل: عن إخبار مخبر، أن أهل بلد رأوا هلال شوال، وعيدوا؟

فأجاب:

أما إخبار مخبر أن أهل البلد الفلانية أفطروا يوم كذا، فلا بد من شهادة اثنين، وهذا فيه تفصيل: إن كان البلد فيه قاض، فأخبر رجلان أن أهل البلد أفطروا كلهم وعيدوا، فالذي نرى الاعتماد على مثل هذا، وإن كان البلد ليس فيه قاض، ولا يدرى عن سبب فطرهم، فلا أرى الاعتماد على فعلهم.

وسئل: عن كتاب الحكم برؤية الهلال؟

فأجاب:

الذي يظهر لي العمل به، والاعتماد عليه في ذلك، لأن الفقهاء ذكروا أنه إذا رئي هلال رمضان بمكان، لزم جميع الناس الصوم، وإنما يثبت ذلك غالبًا في حق غير أهل موضع الرؤية، بإخبار الثقات فرعًا عن الأصل، وخطوط القضاة، بل أهل موضع الرؤية ليسوا كلهم يأتون إلى الشاهد برؤية الهلال ليسمعوا شهادته، بل يعتمدون على إخبار بعضهم بعضًا على الشاهد، كشهادة الفرع على الأصل: فإذا تقرر قبول خبر الفرع أو شهادته في ذلك، فكذلك كتاب القاضي، لأن الفقهاء ذكروا أنه لا تقبل الشهادة على الشهادة، إلاَّ فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وأن كتاب القاضي حكمه كالشهادة على الشهادة.

وكلامه في الكافي صريح في قبول الشهادة على الشهادة في ذلك، لما ذكر وجهين في قبول قول المرأة في هلال رمضان، قال في تعليل الوجه الثاني: ولهذا يقبل فيه شهادة الفرع، مع إمكان شاهد الأصل، فدل كلامه على قبول شهادة الفرع مع الإمكان، ونظَّره صاحب الفروع، بقوله: كذا قال، والذي يظهر لي: أن تنظيره إنما هو لاعتباره لقبول شهادة الفرع، مع عدم إمكان شهادة الأصل، وكما قدمنا: أن المسلمين يعتمدون على ذلك مع الإمكان وعدمه، ولعلك وقفت على قول شارح الإقناع، عند قول الماتن، في حكم كتاب القاضي: لا يقبل في حد الله ـ تعالى ـ، كزنا ونحوه، قال الشارح: وكالعبادات، ووجه ذلك: أنه لا مدخل لحكمه في عبادة فكذا كتابه.

قال الشيخ تقي الدين: أمور الدين والعبادات المشتركة، لا يحكم فيها إلاَّ الله ـ تعالى ـ، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - إجماعًا، قال في الفروع عقيبه: فدل على أن إثبات سبب الحكم، كرؤية الهلال، والزوال، ليس بحكم الخ، فدل ذلك: أن كتاب القاضي بإثبات رؤية الهلال، ليس حكمًا في عبادة، ولا إثباتًا لها، وإنما هو لإثبات سببها، فلا ينافي كونه لا يقبل في عبادة، وكونه لا يحكم فيها، وقد صرحوا بأنه لا مدخل لحكمه في عبادة ووقت، وإنما هو فتوى، فدل كلامهم على أن إثباته لرؤية الهلال مثلًا فتوى، والفتوى يعمل فيها بالخط، وإن كان كتابه: شهد عندي فلان وفلان مثلًا، برؤية الهلال، ففرع على الأصل، لا فتوى.

وأفتى أيضًا - رحمه الله: هلال رمضان شهد على رؤيته رجلان من أهل الرس، شهدا برؤيته ليلة الجمعة، وجماعتهما يزكونهما، ونحن نعمل بشهادتهما عند ظهوره، إن شاء الله ـ تعالى ـ.

وقال الشيخ: محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف: وما جرى من البحث في مسألة الهلال، راجعت كلام بعض العلماء، وأحببت نقله لك، والمذاكرة معك، فقال في المغني، فصل: وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يومًا ولم يروا هلال شوال، أفطروا وجهًا واحدًا، انتهى، وذكر مثله في الشرح الكبير، وزاد: لأن الشهر لا يزيد على ثلاثين، ولحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، انتهى. فأطلقا ولم يقيداه بالغيم، فظهر عدم الفرق، وحديث عبد الرحمن بن زيد الذي أشار إليه الشارح، هو قوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا شهد شاهدان ذوا عدل، فصوموا وأفطروا» .

وقال في الفروع، فصل: ومن صام بشاهدين ثلاثين يومًا، ولم يره إذًا أحد، أفطر، وقيل: لا مع صحوه، واختاره في المستوعب، وأبو محمد الجوزي، لأن عدم الهلال يقين، فيقدم على الظن، وهي الشهادة، انتهى، وبعد حكاية صاحب التصحيح ما تقدم في الفروع، وذكر الخلاف فيما إذا صاموا بشهادة واحد، وأن عدم الإفطار حينئذ هو أحد الوجهين، قال: وظاهر كلامه في الحاويين، أن على هذا الأصحاب، فإنه قال فيهما: ومن صام بشهادة اثنين ثلاثين يومًا، ولم يره مع الغيم، أفطر، ومع الصحو يصوم الحادي والثلاثين، هذا هو الصحيح، وقال أصحابنا: له الفطر بعد إكمال الثلاثين، صحوًا كان أو غيمًا، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت