فهرس الكتاب
وأما اختلاف الأهلة بالكبر والصغر، وارتفاع المنازل وانخفاضها، فلا حكم له، لأن ذلك يختلف اختلافًا كثيرًا.
وكتب الشيخ حمد بن عبد العزيز للشيخ عبد الله بن فيصل: أشكل على بعض الإخوان كبر الهلال، قال: فكاتبنا الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وهذا جوابه تشرف عليه، لما فيه من الكفاية.
قال: وتذكر أنه حصل إشكال في الهلال لارتفاع منزلته، وأنت فاهم ـ حفظك الله ـ غربة الإسلام، وما حصل من غالب الخلق، وما وقع في أنفسهم من الحرج عند الوقوف على الأمر والنهي، والعبادات مبناها على الاتباع، والمشرع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومن أراد الاحتياط لنفسه في أمر العبادات، بأمر لم يحتط به الرسول، ولم يحكم به، فلازم اعتقاده وفعله ومقاله: نقص البلاغ من المشرع، وهذه مصيبة عظمى، وداهية كبرى، علق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصوم والفطر بالرؤية أمرًا ونهيًا، لا على المنازل وكبر الأهلة، قال - صلى الله عليه وسلم - في الأمر: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» وقال في النهي: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه» فالله المستعان.
وقد ابتلينا بمن بني أمره على التلبيس والتشويش، والمخالفة أصلًا وفرعًا، حتى حكموا بالصوم بارتفاع المنزلة، وأوجبوا ذلك على الناس، وهم قد دخلوا في العبادة بصيام شك، فالزم السنة واصبر نفسك {? ? ? ? ?} [الروم: 60] .
سئل بعضهم: ما قولكم رحمكم الله، إذا رأى الهلال أهل بادية وأهل بلدة أخرى، هل يلزم من لم يره الصيام؟ وما الدليل على ذلك؟ والمحتج بحديث كريب: بأن الصيام على من لم يره مصيب أم لا؟ أفتونا أثابكم الله.
الجواب:
الحمد لله الموفق للهدى الملهم للصواب. فقولنا معشر المسلمين: أن الهلال إذا رآه أهل بادية، ولو رجلًا واحدًا، أو أهل بلدة ولم يره أهل البلدة الأخرى: لزم الجميع الصيام، ومن أفطر لزمه القضاء.
والدليل على ذلك: هدي نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وفعله، روى سماك عن عكرمة عن ابن عباس، قال: تمارى الناس في رؤية هلال رمضان، فقال بعضهم: اليوم، وقال بعضهم: غدًا. فجاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر أنه رأى الهلال، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أتشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله؟» قال: نعم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «يا بلال أذن في الناس، فليصوموا غدًا» رواه الخمسة، وعن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب سدد خطاكم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» وعن الحارث بن حاطب، قال: عهد إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننسك لرؤيته.
والأحاديث في هذا الباب صريحة: أنه إذا لم يَرَ الهلال إلاَّ رجل واحد، لزم الناس الصوم، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته» هذا أمر صريح لجميع الناس بالصوم، لأن الواو في قوله «صوموا» ضمير الجميع، وقد رؤي، ولا يعارض قوله وفعله - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ مكابر معاند، مجترئ على هتك حرمات الله، أسال الله العافية.
والمحتج بحديث كريب، ليته استتر بسكوته، فحديث كريب ليس فيه حجة على أن أهل الناحية الواحدة، والقطر الواحد، إذا رآه بعضهم فلا يلزم الآخرين الصوم، ما أدري من أين له الدلالة على ذلك، ولكن من ادعى ما ليس فيه كذبته شهود الامتحان، وهذا القول: ما يخرج من إنسان اطلع على أحكام الشريعة، وفهم معانيها، فودي أنه يتوب إلى الله ـ تعالى ـ، من مكاذبة النفس، والهوى، فإن النفس أمارة بالسوء إلاَّ ما رحم ربي، والهوى يضل عن سبيل الله ويهوي بصاحبه إلى النار.
فنقول: أما حديث كريب لما قدم من الشام إلى المدينة، سأله ابن عباس، وأخبره: أنا رأينا الهلال ليلة الجمعة، وصام الناس، وقال ابن عباس: نحن رأيناه ليلة السبت، فما نزال نصوم حتى نراه، أو نكمل العدة.
هذا المعترض: من أين فهم الدلالة على عدم وجوب الصوم على قوم رأى الهلال بعضهم؟! وإنما الخلاف بين العلماء في الأقطار المتباينة، كالشام، والحجاز، والعراق، واليمن، إذا تباينت مطالعها، فبعض العلماء يقولون: لأهل كل قطر حكم، فإن المطالع تختلف باتفاق أهل المعرفة وأرباب الهيئة.
لكن الاختلاف ينبني على قولين: الهلال هو: اسم لما يظهر في السماء وإن لم يره الناس، أو لا يسمى هلالًا حتى يستهل ويظهر بين الناس، على قولين في مذهب الإمام أحمد وغيره، ذكر ذلك تقي الدين ابن تيمية ـ قدَّس الله روحه ـ.
فأما من قال: هو اسم لما يظهر في السماء، يحكم بوجوب الصوم على أهل الدنيا، الذين يبلغهم ذلك بشهادة رجل واحد.
وأما من قال: هو اسم لما يستهل ويعلمه الناس، يقول بوجوب الصوم على أهل تلك الناحية، والقطر كلهم، وعلى من اتحد مطلعهم، كمكة ونجد وعمان، والكلام على هذا يطول ونحن أعجل من ذلك.