فهرس الكتاب
والجواب عنه على ما ذكره العلامة ابن القيم، والحافظ ابن عبد الهادي، وغيرهم من الحنابلة، القائلين بعدم الوجوب، والجمهور، أن يقال: ليس في الحديث دليل على وجوب الصوم أصلًا، بل هو حجة على عدم الوجوب، فإن معنى: «اقدروا له» احسبوا له قدره، وذلك ثلاثون يومًا فهو من قدر الشيء، وهو مبلغ كميته، وليس من التضييق في شيء، قال بعضهم في الآية: ليس المعنى بقوله: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} التضييق، بل معناه: أن يكون رزقه بقدر كفايته، لا يفضل منه شيء، والله ـ تعالى ـ يرزق العبد ما يسعه، ويرزقه ما يفضل عنه، فالأول هو الذي قدر عليه رزقه، أي بقدر كفايته، والثاني هو الغني الموسع عليه.
وإن قيل: بأن معناه التضييق، فلا يتعين النقص، فإن التضييق لازم لمعنى التقدير، بمعنى أنه لا يزاد ولا ينقص عما قدر له، فيكون التضييق عدم دخول غير ما قدر، فإذا جعل الشهر ثلاثين، فقد قدر له لا يدخل فيه غيره، وهذا هو التضييق، انتهى. وهذا يتعين القول به، لما روى مسلم من حديث ابن عمر: «فإن أغمى عليكم فاقدروا ثلاثين» وما رواه البخاري من حديث ابن عمر أيضًا: «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» .
فتعين ما قاله الجمهور، لأن المجمل يحمل على المفصل، والمشتبه على المحكم، وإذا تبين مراده - صلى الله عليه وسلم - تعين ووجب، وهو موافق لحديث أبي هريرة المتقدم، لا يقال إن شعبان غير مراد، ولأنه قد نص عليه فيما تقدم من الأحاديث، ولأن اللام في قوله: «فأكملوا العدة» في رواية البخاري للعهد، أي عدة الشهر، ولم يتقدم رمضان ذكر يوجب أن تتعين إرادته، ولم يخص النبي - صلى الله عليه وسلم - شهرًا دون شهر للإكمال إذا غم، فلا فرق بين شعبان أو غيره، إذ لو كان شعبان غير مراد لبينه، وذكر الإكمال عقب قوله: «صوموا وأفطروا» فشعبان وغيره مراد من هذا، فرواية من روى «فأكملوا عدة شعبان» موافقة لرواية من قال: «فأكملوا العدة» بل هي مبينة لها.
ويشهد لهذا بعض ألفاظ حديث ابن عباس «فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا» وهذا صريح: أن التكميل لشعبان، كما هو لرمضان، وقد روى الإمام أحمد رحمه الله، عن وكيع عن سفيان، عن عبدالعزيز بن حكيم الحضرمي، قال: سمعت ابن عمر يقول: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، وقد تقدم أن الإمام أحمد نص في رواية المروذي، على أن يوم الثلاثين من شعبان، إذا غم الهلال، يوم شك.
وأجاب أيضًا: وأما مسألة السنة لمن صام يوم الثلاثين من شعبان، إذا حال ليلة الثلاثين دون الهلال غيم أو قتر، فالقائلون بصومه وجوبًا، أو استحبابًا، يجزيه عندهم إذا نواه من رمضان، والصحيح الذي عليه المحققون: أنه لا يجب صومه ولا يؤمر به، ومن صامه من السلف لم يوجبه، الحجة لمن منع صومه مطلقًا، ما في صحيح البخاري، أنه قال - صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا» انتهى. وليس لأحد بلغته سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صح عنده الحديث، أن يعدل إلى غيره لرأي أحد من الناس كائنًا من كان. انتهى.
قال الشيخ سليمان بن سحمان: وقرر ـ يعني الشيخ عبد اللطيف ـ في مسألة صيام يوم الشك، ما عليه المحققون، وما تضمنته الأحاديث الصحيحة، بخلاف ما اعتمده المقلدون، وأن من صامه من السلف لم يوجبه، ولم يأمر الناس، ولم يوقع بمن تركه العقوبات، كما فعله أهل الجهل والإفلاس، فإنهم في هذه الأزمان يوجبونه، ويأمرون الناس بالتزامه، ومنهم من ضرب وأجلى من نهى عن صيامه، فياليت شعري، أين وجدوا ذلك؟! وأي الكتب اعتمده أولئك، نعم قد وجدوا في بعض الروايات الوجوب عن الأصحاب، فإين وجدوا الضرب والجلاء والسباب؟!.
وإذا قيل لأحدهم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: المذهب كذا، وبه قال الإمام المعظم، فليت شعري، كيف ساغ لهم تقليده، رحمه الله في هذه وغيرها من المسائل؟! ولم يسغ لهم تقليده في قوله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله ـ تعالى ـ يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، إذا عرفت هذا، فقد صح الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، كما رواه البخاري في صحيحه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا» والمقصود من هذا الكلام: إنكار إيقاع بعضهم بمن نهى عن صيامه أنواع العقوبات، وردهم أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - لبعض هذه الروايات. انتهى.
سئل الشيخ: عبد الله أبابطين، عن اختلاف الأهلة بالكبر ... الخ؟
فأجاب: