فهرس الكتاب
وما روي عن عائشة، قال أحمد في إسناده: أخطأ فيه شعبة، وعبدالله بن قيس، وليس فيه إلاَّ استحباب الاحتياط، وكذا ما نقل عن أسماء، فقد عرف: أن ما نقل عن الصحابة، بعضه لم يثبت، وما ثبت فليس فيه دلالة على الوجوب، ولو فرضنا ثبوت الوجوب، لم يكن فيه حجة مع مخالفة غيره، ومع مخالفة الأحاديث الصحيحة.
وأما احتجاجه بأنه مذهب الإمام أحمد، فعن الإمام أحمد في هذه المسألة سبع روايات، إحداها: أنه يجب الصوم جزمًا أنه من رمضان، وهذا لم يثبت عن الإمام أحمد، وهو من أضعف الأقوال في المسألة، أو أضعفها، قاله شمس الدين ابن عبد الهادي. وقال شيخ الإسلام: لا أصل للوجوب في كلام أحمد، ومن تأمل نصوصه وكلامه عرف أنه لم يوجبه، والثاني: أنه يجب الصوم ظنًا أنه من رمضان، وهذا دليل عليه. والثالثة: أنه يستحب الصوم احتياطًا، لاحتمال أن يكون من رمضان، وعلى هذا حمل فعل ابن عمر، وفعل الإمام أحمد، وقد قيل: إن هذا القول هو المشهور عن أحمد، وهو مذهبه.
الرابعة: أنه يجوز الصوم، والخامسة: يكره. والسادسة: يحرم، ولا يجوز، كقول الجمهور: قال الشافعي: لا يجوز صيامه من رمضان ولا نفلًا، بل يجوز صيامه نذرًا وكفارة، ونفلًا يوافق عادة،؛ وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز صيامه من رمضان، ويجوز صيامه مما سوى ذلك، والرواية السابعة: أنه يرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر، كما هو قول الحسن وابن سيرين، قال حنبل بن إٍسحاق، سمعت أبا عبد الله يقول: لا أرى صيام يوم الشك إلاَّ مع الإمام والناس، قال حنبل: سألوا ابن عمر، فقالوا: نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء، فقال: أف، أف صوموا مع الجماعة.
إذا عرفت هذا، وأن كل رواية عليها طائفة من أكابر الحنابلة، فحينئذ يعرف بطلان قوله، قال الخلال قال أبو بكر: عبدالعزيز، قال القاضي، قال الخرقي، قال الزركشي، وهؤلاء تقابل أقوالهم بأقوال أمثالهم، وإذا احتج من خالفهم بجمهور الأمة والأئمة، صار له الحظ من القوة والصولة، وإذا قابلت بين أقوال جمهور الصحابة، وبين أقوال الموجبين للصيام، تبين لك الفرق، وإن جئتهم من أعلى واحتججت بما سبق من الأحاديث، بطل قولهم من أصله، وتهدمت أركانه، وإن كثر عددهم.
وقد اعترض صاحب الفروع: ابن مفلح رحمه الله القول بالوجوب، ونسبه إلى أحمد، ونص كلامه: وإن حال دون مطلعه غيم أو قتر أو غيرهما، وجب صومه بنية رمضان، اختاره الأصحاب، وذكروه ظاهر المذهب، وأن نصوص أحمد تدل عليه، ثم قال بعد هذا: كذا قالوا، ولم أجد عن أحمد أنه صرح بالوجوب، ولا أمر به، فلا يتوجه إضافته إليه، ولهذا قال شيخنا: لا أصل للوجوب في كلام أحمد، ولا في كلام أحمد من الأصحاب بحديث ابن عمر وفعله، وليس بظاهر في الوجوب، وإنما هو احتياط قد عورض بنهي.
واحتجوا بأقيسة تدل على أن العبادة يحتاط لها، واستشهداو بمسائل، وإنما هي تدل على الاحتياط فيما ثبت وجوبه، أو كان الأصل، كثلاثين من رمضان وفي مسألتنا: لم يثبت الوجوب، والأصل بقاء الشهر، وما ذكروه من أن الشك في مدة المسح يمنع المسح، إنما كان لأن الأصل الغسل، فمع الشك يعمل به، ويأتي: هل يتسحر مع الشك في طلوع الفجر؟ إلى آخر العبارة.
وما ذكره عن شيخ الإسلام من أنه يرى الجواز والإباحة، فنعم، قال هذا، ولكن رد على من قال بالوجوب، ونسبه إلى الإمام أحمد، وقال ابن اللحام في الاختيارات: كان الشيخ يميل آخرًا إلى القول بالكراهة، للأحاديث الواردة في ذلك، انتهى، فهذا كلام شيخ الإسلام، وكلام ابن مفلح، الذي شهد له العدل الزكي الإمام الورع، شمس الدين ابن القيم الجوزية، أنه ما تحت أديم السماء من هو أعلم منه بمذهب أحمد.
وقال العلامة ابن القيم، في أثناء كلامه له في هذه المسألة: وكان إذا حال دون منظرة ليلة الثلاثين غيم أو سحاب، أكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، ولم يصم يوم الإغماء، ولا أمر به، بل أمر أن يكمل عدة شعبان ثلاثين إذا غم، وكان يفعل كذلك، فهذا فعله وأمره، ولا يناقض هذا قوله: «فإن غم عليكم فاقدروا له» فإن القدر هو الحساب المقدور، والمراد به إكمال عدة الشهر الذي غم، كما في البخاري «فأكملوا عدة شعبان» انتهى.
وأمثل ما احتج به قال بالوجوب، قوله في حديث ابن عمر: «فاقدروا له» فاستدلوا على الوجوب، بأن حملوا هذه اللفظة في الحديث على التضييق، وقالوا: معناها ضيقوا له عددًا يطلع في مثله، وذلك يكون لتسع وعشرين، ومن هذا قوله ـ تعالى ـ: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7] أي: ضيق عليه.