فهرس الكتاب
ثم ذكر حديث ابن عمر: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له» وأن معنى اقدروا: ضيقوا، ويجوز أن يكون معناه: اعلموا، قال: وابن عمر راوي الحديث هو أعلم بمعناه، واحتج بقوله: «الشهر تسع وعشرون» وأنه كالتوطئة لما بعده، قال: ولأن الصوم ثابت في ذمته بيقين، ولا يبرأ إلاَّ بصوم ذلك، ثم ذكر كلامًا معناه ذم خصمه، وأنه يفتري على شيخ الإسلام، وأن ما قاله هو طريق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثم ذكر شعرًا له في مدح الإمام أحمد يُسْتَحَى من ذكره عند أهل الفن، وأنه راج على أخدانه وأصحابه، ومناقشته فيه تطول، وليس تحتها كبير فائدة، كقوله:
أرى زماني يقتادني لبطاني ... يعفو مني بالجولاني
فانظر ما في هذا البيت، وما تركنا أعجب منه، وهو فاسد المعنى، فإن التدبير والتقدير: أخذ بالناصية، لا قود بالبطان، وفيه النسبة إلى الزمان، وفي الحديث: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» والجولان يطلق ويراد به جولان الذهن والفهم، وعدم ثباته واستقراره، ويراد به الحركة الحسية والتردد فيها، ثم لفظة الجولان، فيها بحث يتعلق بالصحة والفساد، يعرف من كلامهم في أسماء المصادر، وقوله: أرى زماني يقتادني لبطاني، أن البطنة هي التي أوردته الموارد، وإنه يؤتي من جهتها، لأم اللام في قوله: لبطاني، للتعليل، وما أحسن ما قيل شعرًا:
وإنك مهما تؤت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
ثم أكثر بعد هذا من النظم والنثر، والتشكي من الجهل، لقلة العلم وتدريس الجهال، وأكثر من هذا الضرب بكلام ركيك، وأنهم دخلوا تحت قوله ـ تعالى ـ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]
والجواب من طريقين مجمل ومفصل: أما المجمل: فالصحابة والتابعون وأئمة الإٍسلام، مجمعون على أن من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالواجب الأخذ بها، وترك ما سواها من أقوال أهل العلم، من الصحابة أو غيرهم، قال ابن عبدالبر: أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم، أن من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس له أن يدعها لقول أحد كائنًا من كان، قال هذا أو نحوه.
وقال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لم يكن له أن يدعها لقول أحد، وتقدم قول عمر بن عبدالعزيز: لا رأى لأحد مع سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وعن الشافعي أيضًا مثله، وقد نهى الأئمة - رضي الله عنهم - عن تقليدهم، وأمر بالنظر والاحتياط للدين: قال المزني في أول مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي، مع إعلامه بنهيه عن تقليده، وتقليد غيره، وقال الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
وقال أحمد لأبي داود: لما سأله أن يقلد الأوزاعي أو مالك، قال: لا تقلد دينك أحدًا، ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فخذ به، ثم التابعين بعد، الرجل فيه مخير، وقال: لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا، وقال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا، حتى يعلم من أين قلنا، وصرح مالك: بأن من ترك قول عمر بن الخطاب، لقول إبراهيم النخعي، أنه يستتاب، فكيف من ترك قول الله ورسوله، لقول من هو دون إبراهيم أو مثله.
وقد أراد هارون الرشيد حمل الناس على الموطأ، فنهاه مالك، وقال: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفرقوا في البلدان، فخاف أن يكون معهم من العلم ما لم يبلغه، وقال الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وسأله رجل عن حديث، فأخبره أنه قد ثبت، فقال أتأخذ به يا أبا عبدالله؟ قال: أرأيت في وسطي زنارًا؟ وهذا أدلته كثيرة، وأظن الخصم يسلمه، ومن لم يسلمه فكلام الأئمة فيه، وفي تكفيره لا يخفى.
وأما استدلاله: بأن الصحابة، عمر، وعلي، ومن ذكر بعدهم، قد صاموه. فالجواب عنه: أن الحافظ شمس الدين ابن عبدالهادي، قال: لم يثبت وجوب ذلك عن أحد من الصحابة، وأشهر ما في الباب ما نقل عن ابن عمر، وهو غير دال على الوجوب، وما نقل عن غيره، فهو: إما غير ثابت عنه، وإما غير دال على الوجوب.
فأما ما نقل عن عمر، فهو يروى عن مكحول، وبين مكحول وبينه مفازة طويلة، فهو منقطع، ولو ثبت فهو فعل ليس فيه أمر بالصوم.
وما روي عن علي، فهو منقطع، وهو غير صريح في الوجوب، وفاطمة بنت حسين لم تدرك عليًَّا، والمنقول عن معاوية منقطع أيضًا، فإنه من رواية مكحول، وابن حليس وأين هما من معاوية، وكذا ما يروى عن عمرو بن العاص منقطع، فإن ابن هبيرة لم يدرك عمرو بن العاص، وفي إسناده ابن لهيعة، وليس في ذلك دلالة على الوجوب، ولأنه مجرد فعل، والمروي عن أبي هريرة ليس فيه إلَّا الاحتياط وترجيحه.