الصفحة 94 من 214

ومنها: ما رواه أبو داود والنسائي، وابن ماجة والترمذي، من حديث ابن إسحاق، عن صلة بن زفر، قال: كنا عند عمار بن ياسر، فأتى بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم، فقال: إني صائم، فقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم، قال الحافظ ابن عبد الهادي، وقد روى من غير وجه مرفوعًا: النهي عن صوم الشك؛ وقد روى عن جماعة من الصحابة سدد خطاكم، أنهم نهوا عن صوم يوم الشك منهم حذيفة وابن عباس، وقد نص الإمام أحمد - رحمه الله - في رواية المروذي، على أن يوم الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال يوم شك، وهذا القول صحيح بلا ريب، فإن هذا اليوم يحتمل أن يكون من رمضان، ويحتمل أن يكون من شعبان وهو الأصل.

إذا عرفت هذا: فالمخالف ادعى وجوب صومه من رمضان، واحتج بأمور منها: أنه زعم أنه مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ومنها: أنه زعم أنه قول عمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وكاتب الوحي معاوية بن أبي سفيان، وعائشة أم المؤمنين، وأسماء بنت الصديق وابن العاص وأبي هريرة وأنس بن مالك، واحتج على أن عمر قال بوجوبه بما رواه العكبري، عن ثوبان عن أبيه عن مكحول، أن عمر كان يصوم إذا كانت السماء مستغيمة ليلة الثلاثين من شعبان، ويقول: ليس هذا بالتقدم ولكنه بالتحري، واحتج لما نسبه إلى علي بما روى عن فاطمة بنت حسين، أن عليًّا كان يصومه ويقول: لأن أصوم يومًا من شعبان، أحب إليَّ أن أفطر يومًا من رمضان.

واحتج لما نسبه إلى معاوية بما روي عنه، من قوله: لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ أن أفطر يومًا من رمضان، واحتج لما نسبه إلى عمرو ابن العاص، بما روي أنه كان يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان إذا كانت غيمًا، واحتج لدعواه على أبي هريرة بقوله: لأن أتعجل في رمضان بيوم، أحب إليَّ من أن أتأخر، لأني إذا تعجلت لم يفتني، وإذا تأخرت فاتني، واحتج لما نسبه إلى عائشة أم المؤمنين: أنها كانت تصوم، وكذا عن أسماء: أنها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه إذا كان غيمًا، ولما نسبه إلى ابن عمر بأنه كان يصومه، إذا حال دون منظره سحاب أو قتر.

ثم قال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: إذا كان في السماء سحاب أو علة أصبح صائمًا، قال: قلت لأبي عبد الله فيعتد به؟ قال كان ابن عمر يعتد به، فإذا أصبح عازمًا على الصوم اعتد به ويجزيه، ثم ذكر كلاما يحتج به على فضل بعض الصحابة، ثم ادعى أن يوم الشك إذا كانت السماء مصفية، ليس عليها غيم ولا علة، ثم زعم أن أحمد نص على وجوب صوم يوم القتر أو الغيم، وذكر: أن الخلال، وأبا بكر عبد العزيز، نصا عليه، والقاضي أبو يعلى، والخرقي، والزركشي، وابن قدامة، حكى الوجوب رواية.

ثم حكى رواية عن أحمد بعدم الوجوب والإجزاء، وأجاب عنه بأن النفي هنا إثبات في الرواية الأولى، فجعل النفي هو الإثبات، وذكر عبارة الإنصاف، وقوله: إن حال دون المنظر غيم أو قتر ليلة الثلاثين، وجب الصيام بنية رمضان، وهو المذهب عند الأصحاب ونصروه، وصنفوا فيه التصانيف، قالوا: نصوص أحمد تدل عليه.

ثم ذكر كلام أبي العباس ابن تيمية، في عدم الوجوب، وقد تصرف في العبارة، وستأتيك على وضعها في الجواب، ثم نقل عن ابن مفلح في فروعه روايتين، الوجوب والجواز، ثم زعم: أن كلام شيخ الإسلام دائر بين الاستحباب والإباحة، وساق كلامًا له في المسألة فيه تفصيل وحكاية للأقوال، ثم تعقبه بكلام يوسف بن عبد الهادي، صاحب جمع الجوامع، وليس هو الحافظ شمس الدين، واعترض فيه الشيخ، في قوله: لا أصل للوجوب في كلام أحمد، وزعم أنه من تجاهل العارف، واستدل بأن أحمد كان يصوم بنية رمضان، قال: ولا شك أنا إذا حكمنا بالصوم بنية رمضان، فالصوم حكمه حكم الصوم برؤية الهلال، قال: وكلام أحمد إن لم يكن فيه نص على الوجوب، فإن معناه الوجوب، قال: والنظر في المعاني لا إلى الألفاظ، ثم زعم المفتي: أن ابن مفلح لم يرض كلام الإمام ابن تيمية، وأنه قال بعده: كذا قال، ثم جعل صاحب جمع الجوامع من أصحاب الشيخ، وأين هو من زمن الشيخ ووقته، فاشتبه عليه الأمر، ولم يميز بين هذا، وبين صاحب الشيخ الذي هو محمد بن أحمد.

ثم ذكر عن أحمد - رحمه الله - كلامًا في آدم بن أبي إياس، وأنه انفرد بهذه اللفظة، يعني: أكملوا عدة شعبان ثلاثين، عن أصحاب شعبة غندر، وعبد الرحمن بن مهدي وابن عيسى، وابن يونس وشبابة وعاصم بن علي، والنضر بن شميل ويزيد بن هارون وابن داود، وذكر عن ابن الجوزي: أنه يجوز أن يكون هذه زيادة من آدم تفسيرًا للحديث، وإلَّا فليس للزيادة وجه، ثم قال ابن الجوزي: فيحتمل رواية الجماعة في قوله: «فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين» على آخر الشهر أقرب المذكور، وطعن في رواية محمد بن زياد، بأن سعيد بن المسيب خالفه، فرواه عن أبي هريرة بلفظ: «فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين» وزعم أن هذه الرواية تبين المراد من الأحاديث، وأنه قد قيل: إن ذكر شعبان من تفسير ابن أبي إياس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت