فهرس الكتاب
وفي ظل هذه الأحداث الجسيمة التي ألقت بظلالها على أرجاء الجزيرة العربية أشرقت شمس النبوة ، وبعث النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) بدين هو كما قال أبو طالب (( ... من خير أديان البرية دينًا ) )، دين ضمَّنه الله تعالى كل ما من شأنه أن يكفل السعادة للبشرية جمعاء ، دين يصلح بأحكامه الربانية لكل زمان ومكان ، دين أكمله الله وأتمه وارتضاه لعباده ، دين يخرج العباد من عبادة العباد والشجر والحجر والشمس والقمر إلى عبادة رب الأرض السموات.
وفي سبيل هذا كله نرى النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) قد شمّر عن ساعد الجد وربط الليل بالنهار وراح يدعو إلى ربه تعالى ، ولم يدخر جهدًا في سبيل إيصال دعوته إلى عموم الناس كافة كما أمره الله تعالى .
ولكن لما عجزت الحجج الدامغات والبينات الواضحات من النفاذ إلى قلوب هؤلاء المشركين ، وإستمكن العناد والجحود منها صمتت الألسن وخشعت الأصوات وراحت السيوف والرماح تخطب على منابر الرقاب ، حتى استقام الأمر ورضخت النفوس وانتصرت إرادة الحق ، وراحت رايات الإسلام ترفرف عاليًا على أرجاء دولة الإسلام الفتية التي أرسى النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) دعائمها على رمال صحراء كانت تموج بالكفر موجًا .
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذه الدولة النبوية الفتية قد قامت على ركيزتين مهمتين عظيمتين هما:
الركيزة الأولى: توحيد الله تعالى .
الركيزة الثانية: توحيد الأمة .
وهاتان الركيزتان قد جمع الله تعالى بينهما في قوله { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [الأنبياء: 92] .
أما الركيزة الأولى: فتوحيد الإله يعني أن نعبد إلهًا واحدًا ونوحده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ، وأن ننبذ الشرك ووسائله وطرقه وعدم موالاة أهله ، وهذا كله لا يقوم ولا يستقيم إلا بمتابعة النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) وطاعته في كل ما جاء به من ربه عز وجل .