ت- الأنبياء والرسل لا يطلبون أجرًا على دعوتهم.
مما يدل على صحة وصدق دعوة الأنبياء والرسل، أنهم لا يطلبون أجرًا على دعوتهم لأقوامهم؛ بل يدعونهم بالمجان، لا يريدون من أحد جزاء ولا شكورًا، وإنما قصدهم تبليغ رسالة ربهم التي كُلفوا بها من لدن ربهم. فنوح وهود وصالح ولوط وشعيب كلٌ قال لقومه: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [1] . والمعنى: أننا لا نسألكم شيئًا من أموالكم أجرًا على دعوتنا إياكم، فهي بالمجان، ولكننا رسل ربنا، وأجرنا على ربنا، رب العالمين.
والنبيون من قبلهم ومن بعدهم، لم يكونوا يرجون من قومهم شرفًا ولا مالًا ولا جاهًا، وإنما كانوا يرجون الأجر من ربهم.
والمتأمل في مقالة النبيين، يرى أنها من الأدلة الظاهرة على صحة دعواهم وصدقهم.
ث- عجز المكذبين عن إبادتهم واستئصالهم.
فهم منصورون بنصر الله لهم {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [2] . والله حافظ رسله وأنبيائه من كيد أعدائهم، ولذلك تحداهم هود عليه السلام بقوله: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [3] . فتبرأ من آلهتهم، وتحداهم أن يمسوه بسوء وهم جماعة كثيرة قوية وهو فرد واحد، لكنه توكل على ربه واعتمد عليه في دفع الضرر عنه، ونعم الوكيل هو.
يقول ابن سعدي: (وفي هذا كالإشارة من الرسل، عليهم الصلاة والسلام لقومهم بآية عظيمة وهو أن قومهم-في الغالب- أن لهم القهر والغلبة عليهم. فتحدتهم رسلهم بأنهم متوكلون على الله، في دفع كيدهم ومكرهم، وجازمون بكفايته إياهم. وقد كفاهم الله شرهم مع حرصهم علىتلافهم، وإطفاء ما معهم من الحق. فيكون هذا، كقول نوح لقومه: {يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله، فعلى الله توكلت، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم اقضوا إلي و لاتنظرون} ... [4]
ومن أعظم المواقف التي تدل على حفظ الله لرسله وأنبيائه، قصة نبينا صلى الله عليه وسلم مع قومه لما أراد الهجرة من مكة إلى المدينة، ففي الليلة التي تآمرت فيها قريش على قتل محمد صلى الله عليه وسلم
(1) . الشعراء (109)
(2) 5. غافر (51)
(3) . هود (54 - 56)
(4) . تيسير الكريم الرحمن (4/ 130)