الصفحة 14 من 40

وأحاطوا بداره ترقبًا لخروجه، ألقى الله عليهم النوم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع على روؤسهم التراب نكاية بهم، ولم يناله أذى، وكذلك حفظ الله له حال هجرته وخروج قريش في طلبه. وفي نزول قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [1] . أبلغ الأدلة على حفظ الله لرسوله وعصمته له، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرسه أصحابه، فلما نزلت هذه الآية ترك الحرس.

ج- هلاك المكذبين واستئصال الله للظالمين المعاندين للرسل.

ومما يدل على صحة دعوى الرسل وصدقهم، أن الله عاقب مكذبيهم بعقوبات تستأصلهم وتبيدهم عن آخرهم، وذلك لظلمهم وتجبرهم وتكذيبهم بالحق لما جاءهم، ولم يستطيعوا أن يردوا تلك العقوبات عن أنفسهم وأنى لهم ذلك!. والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن، فعلى سبيل المثال: قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [2] . وقال: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِين َ} [3] . وقال: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} [4] . وقال: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [5] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكذلك ما يفعله الله من الآيات، والعقوبات بمكذبي الرسل، كتغريق فرعون، وإهلاك قوم عاد بالريح الصرصر العاتية، وإهلاك قوم صالح بالصيحة، وأمثال ذلك، فإن هذا جنس لم يعذب به إلا من كذب الرسل، فهو دليل على صدق الرسل. اهـ [6] .

6 -تنوع العقاب على الأمم المكذبة.

يخبر الله تعالى عن الأمم المكذبة أنه -جل في علاه- أهلكم بذنوبهم، لما كذبوا الرسل وعصوهم ولم يتبعوا النور الذي معهم، فعاقب كل أمه بعقاب من عنده، قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [7] . فأرسل الحجارة من سجيل منضود على قوم لوط، وعذب قوم ثمود بالصيحة وقوم شعيب بالظلة، وخسف بقارون وبداره الأرض، وأغرق قوم نوح وقوم فرعون، وغيره من أنواع العذاب. وكل أمة من الأمم التي كذبت وجحدت الحق أتاها من العذاب الذي تستحقه وعذاب الآخرة أكبر. وفي تنوع العذاب على الأمم المكذبة فوائد يستشعرها المسلم، وهي:

أ معرفة عظيم قدرة الله، وأن ليس لقدرته حد.

ب تنوع صنوف العذاب، يزيد المؤمن خوفًا من ربه، فيدعوه ذلك للاستكثار من العمل الصالح حتى ينجو من عذابه.

ت هوان العباد على الله لما كذبوا رسله، وخالفوا أمره، وعبدوا غيره، فلم يبال الله فيهم، ولا في أي واد هلكوا.

7 -كثرة الاتباع وقلتهم، وكذا حالهم ليست عارًا على الأنبياء وليست دليلًا على صحة الدعوة أوفسادها.

صحة الدعوة من عدمها، لا تخضع لكثرة الاتباع، أو حال المتبعين من فقر أو غنى أو شرف ... إلخ. وإنما تعرف صحة الدعوة بما يجريه الله من البراهين والآيات على أيدي الرسل، وبما يحملونه من الرسالات السماوية من عند ربهم، التي لا يمكن أن يأتي بها بشر. والمكذبون المعاندون من الأمم السابقة كانوا يحتجون بقلة أتباع الرسل، ويجعلونه مقياسًا للحق ‍‍‍‍!.

فقال قوم نوح لنوح: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [8] .

الأراذل هنا: هم الضعفاء والفقراء، وبادي الرأي: أي بديهة الرأي أ ي ضعاف العقول. وكون الاتباع فقراء لا مال عندهم ولا جاه لديهم ليس عار يوصم به الأنبياء والرسل. يقول القرطبي: (وكان هذا جهلًا منهم؛ لأنهم عابوا نبي الله صلى الله عليه وسلم بما لا عيب فيه؛ لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، إنما عليهم أن يأتوا بالبراهين والآيات، وليس عليهم تغيير الصور والهيئات، وهو يرسلون إلى الناس جميعًا، فإذا أسلم منهم الدنيء لم يلحقهم من ذلك نقصان؛ لأن عليهم أن يقبلوا إسلام من أسلم منهم) [9] . ثم إن الغالب أن الكبراء يأنفون من اتباع الحق ولذا تجد أكثر أتباع الأنبياء والرسل هم فقراء الناس وضعفائهم، واستفد من مقالة هرقل لأبي سفيان عندما سأله عن حال

(1) . المائدة (67)

(2) هود. (58)

(3) . هود (66 - 67)

(4) . هود (82)

(5) . هود (94)

(6) . النبوات (1/ 494) تحقيق د. عبد العزيز الطويات. ط. أضواء السلف: 1420هـ

(7) . العنكبوت 40

(8) . هود (27)

(9) . الجامع لأحكام القرآن المجلد الخامس (9/ 17) ط. دار الكتب العلمية (1420هـ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت