تتابع أعداء الرسل من لدن نوح حتى محمد عليهم الصلاة والسلام على إثارة الشبه، ومطالبة الأنبياء والرسل، واقتراح الآيات عليهم، لا لرغبة في زيادة الاطمئنان -وإلا فالآيات والبراهين التي أتى بها الرسل كافية لإيمان من أراد الحق - وإنما أرادوا مشاقة الرسل وإظهار عجزهم، حتى يوهموا أنفسهم وأتباعهم أنهم على الحق، وأن رسلهم على ضلال مبين.
ولقد قص الله علينا في كتابه شيئًا من مطالب المشركين والآيات التي اقترحوها، وتولى الله بنفسه الرد على شبههم، مما لا يدع مجالًا للشك بأن المعاندين للرسل ما اقترحوا الآيات إلا عنادًا واستكبارًا.
أ- قو له تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا} ... إلى قوله: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا} [1] .
طلب المشركون من رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات تدل على صدق نبوته وهي:
{وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَاتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ ... } فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) } [2] .
ولو أجابهم الله إلى ما سألوا، ثم لم يؤمنوا لحلّ بهم من العذاب والنكال ما حلّ بالأمم التي سبقتهم، ولكن الله أمهلهم. قال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [3] . وقال تعالى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) } [4] .
يقول ابن كثير: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ} : أي نبعث بالآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك، فإنه سهل علينا يسير لدينا، إلا أنه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذبوا بعد نزولها. اهـ [5] . وقال ابن سعدي: ... وهؤلاء كذلك، لو جاءتهم الآيات الكبار، لم يؤمنوا. فإنه ما منعهم من الإيمان، خفاء ما جاء به الرسول واشتباهه، هل هو حق أو باطل؟. فإنه قد جاء ومعه من البراهين الكثيرة، بما دل على صحة ما جاء به، الموجب
(1) . الإسراء (90 - 94)
(2) الإسراء.
(3) . الإسراء (59)
(4) . الأنبياء (4 - 6)
(5) . تفسير القرآن العظيم (3/ 51)