قد تستعظم النفس أن يطلب الخليل إبراهيم عليه السلام من ربه أن يريه كيف يحيى الموتى!، وكذلك طلب زكريا عليه السلام أن يجعل ربه له آية عندما بُشر أنه سيولد له ولد على كبره ومن زوجه العاقر.
ولكن باستعراض سياق الآيات، ومعرفة كلام المفسرين للآيات السابقات يزيل الإشكال ويرفع اللبس. ففي مقالة إبراهيم عليه السلام يقول الله تعالى:
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَاتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [1] .
طلب إبراهيم الخليل عليه السلام من ربه أن يريه كيف يحيى الله الموتي، وسأله ربه: أو لم تؤمن؟ أي هل تشك في قدرتي على إحياء الموتى؟. فجاء الجواب من إبراهيم عليه السلام: بلى آمنت بك ... يا رب، ولا أشك في قدرتك على إحياء الموتى.
فسؤال إبراهيم عليه السلام، طلب طمأنينة القلب، لأن القلوب تعتريها وساوس الشيطان ونزغاته، التي تكذب بالحق، وتزين الباطل، فطلب إبراهيم أن يرى إحياء الله للموتى عيانًا حتى تسكن نفسه ويهدأ قلبه، ولا يكون فيها ما يعكر صفو الإيمان، فأراه الله ما أراد، فسكنت نفسه، وازداد إيمانًا فوق إيمانه بما رأى من آيات ربه.
قال القرطبي - في تفسير صدر هذه الآية-: اختلف الناس في هذا السؤال هل صدر من إبراهيم عن شك أم لا؟ فقال الجمهور: لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكًا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به؛ ولهذا قال عليه السلام: (ليس الخبر كالمعاينة) . .. وقال في تأويل قوله تعالى: {قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} : أي سألتك ليطمئن قلبي بحصل الفرق بين المعلوم برهانًا والمعلوم عيانًا. اهـ [2] .
ونظير هذا ما حصل لزكريا عليه السلام فإنه الله عز وجل لما بشره على كبره وعقم زوجه بالولد، وكانت العادة التي أجراها الله على خلقه أن كبير السن، أو العقيم لا يأتي منهما الولد، فكيف إذا اجتمعا؟
قال تعالى: {يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) } [3] . فلما بشر الله زكريا بالولد على كبره وعقم زوجه، طلب آية لا شكًا في قدرة الله؛ ولكن ليزول ما في قلبه من خطرات الشيطان ووساوسه، التي تُضعف الإيمان بالله، ولتحصيل الطمأنينة
(1) . البقرة (260)
(2) . الجامع لأحكام القرآن. المجلد الثاني (3/ 193،195)
(3) .مريم (7 - 10)