القسم الثاني: الفوائد واللطائف من قصص الأنبياء
نعرض في هذا القسم لبعض الفوائد اللطيفة، والنكت البديعة التي جاءت في سياق القصص القرآني، وسوف نتجوز في سرد تلك الفوائد إلا ما اقتضى المقام بسطه.
1 -الإخلاص والالتجاء إلى الله سبب في حصول الهداية والنجاة.
الإخلاص والالتجاء إلى الله على الدوام والرجوع إليه في كل أمر هو السبب الأعظم في حصول الهداية إلى الصراط المستقيم علمًا وعملًا، قال الله تعالى عن الخليل عليه السلام {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} ، [1] . وفي قوله تعالى في سياق قصة يوسف عليه السلام: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [2] . قال ابن سعدي في فوائده حول سورة يوسف: (ومنها: أن من دخل الإيمان قلبه، وكان مخلصًا لله، في جميع أموره فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه، وصدق إخلاصه، من أنواع السوء والفحشاء واسباب المعاصي، ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه لقوله(( وهم بها لولا أن رآى برهان ربه، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ) )على قراءة من قرأها بكسر اللام. ومن قرأها بالفتح، فإنه من إخلاص الله إياه، وهو متضمن لإخلاصه هو بنفسه. فلما أخلص عمله لله، أخلصه الله، وخلصه من السوء والفحشاء) [3] .
قلت: وقد امتدح الله عباده المخلصين في آيات عديدة، مما يدل على أن صاحب هذه المرتبة محبوب ومقرب عند الله، وفي حفظ الله وعنايته.
2 -من ترك شيئاًَ لله عوضه الله خيرًا منه.
قال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [4] . وقبل ذلك حاج قومه ودعاهم بشتى الطرق إلى التوحيد، وخاطب أباه آزر وألان له في القول، ولكن لا تنفع المواعظ مع قوم حكم الله عليهم بالشقاء، فقال آزر لإبراهيم: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) } [5] . ولما رأى
(1) . المواهب الربانية من الآيات القرآنية ص 95 لابن سعدي. ط. دار رمادي للنشر 14017هـ
(2) . يوسف (24)
(3) . تفسير ابن سعدي (4/ 72)
(4) . مريم (49)
(5) . مريم.