إبراهيم إعراضهم عن التوحيد، وإيثارهم للأصنام والأحجار على العزيز الجبار ترك ما هم عليه وقال: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) } [1] .
وهذه وظيفة من أيس ممن دعاهم، فأتبعوا أهوائهم، فلم تنجع فيهم المواعظ، فأصروا في طغيانهم يعمهون. فمن وقع في هذه الحال فعليه أن يشتغل بإصلاح نفسه، ويرجو القبول من ربه، ويعتزل الشر وأهله.
ولما كان مفارقة الإنسان لوطنه ومألفه وأهله وقومه، من أشق شيء على النفس، لأمور كثيرة معروفة، ومنها انفراده عمن يتعزز بهم ويتكثر، وكان من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، واعتزل إبراهيم قومه، قال الله في حقه: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا [من إسحاق ويعقوب] جَعَلْنَا نَبِيًّا} [2] .. [3] .
3 -إزالة الباطل بالكلية حتى يُقطع كل تعلق به.
يؤخذ ذلك من قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) } [4] . فموسى عليه السلام حرّق العجل الذي عكف عليه بنو إسرائيل وعبدوه من دون الله، ثم نسفه في اليم، ولم يستفد بشيء منه مع أنه كان من الذهب، وكان بالإمكان تغيير صورة العجل والاستفادة من الذهب؛ ولكن أراد موسى عليه السلام قطع كل تعلق بالأصنام والأوثان التي تعبد من دون الله، حتى تخلص القلوب لربها وإلهها ولا يكون فيها شائبة من شرك. ونبينا على أفضل الصلاة وأتم التسليم، لما فتح مكة أزال وكسر كل الأصنام والأوثان التي تعبد من دون الله، وأمر بعض أصحابه بإزالة الطواغيت التي كانت تعبد في الجزيرة كالعزى وغيرها.
يقول ابن سعدي: (فأراد موسى عليه السلام، إتلافه [أي: العجل] وهم ينظرون، على وجه ... لا تمكن إعادته- بالحراق والسحق ذَرْرِيهِ في اليم، ونسفه، ليزول ما في قلوبهم من حبه، كما زال شخصه. ولأن في بقائه، محنة لأن في النفوس أقوى داع إلى الباطل. فلما تبين لهم بطلانه، أخبرهم بمن يستحق العبادة وحده لا شريك له، فقال: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [5] .
(1) . مريم.
(2) . مريم (49)
(3) . ابن سعدي (5/ 114)
(4) . طه.
(5) . طه (98)