فهرس الكتاب
4 -مقام الرسالة والنبوة لا يمنع من الابتلاء.
الرسل والأنبياء هم أقرب الناس إلى الله، وأعظمهم منزلة عنده؛ ولكن تلك المنزلة لا تمنع من ابتلاء الله لهم واختباره إياهم؛ بل هم أشد الناس بلاءً كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن سعد بن أبي وقاص قال قلت: يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ... الحديث) [1] .
فإبراهيم الخليل عليه السلام أُمر بذبح ابنه، فانقاد لأمر ربه، ولما رأى الله عزم إبراهيم على الأمر، رفع الله عنه هذا الابتلاء العظيم {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [2] .
ومحمد صلى الله عليه وسلم أًبتلي في نفسه وفي أهله، ففي أحد شُج وجهه وكسرت رباعيته، وابتلي في زوجه عائشة-شهرًا كاملًا - لما رماها أهل الإفك بما برأه الله منه، ولقي في دعوته من قومه أشد الإيذاء؛ ولكنه صبر في ذات الله.
وموسى وزكريا وأيوب ويوسف عليهم السلام وغيرهم من الأنبياء والرسل، ابتلوا وصبروا واستحقوا الإكرام من ربهم. وهذا الابتلاء مما يرفع الله به درجات رسله وأنبيائه، ويقربهم عند مولاهم زلفى.
5 -إذا خالط بشاشة الإيمان القلوب، هان عند النفس كل عظيم في ذات الله.
وذلك أن السحرة من قوم فرعون أتوا بسحرٍ لا يعلم عظمه الله، ووصفه الله بوصف مطابق لحقيقته فقال تعالى: {قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [3] . ولما أمر الله موسى بأن يلقي عصاه وقضت على إفك السحرة، أيقن السحرة هنالك أن ما جاء به موسى ليس سحرًا إنما هو آية من آيات الله تدل على صدقه وصدق رسالته، فآمنوا حينئذٍ بدون مشاورة أو تردد، فما عاينوه من الآيات كافٍ في صدق دعوة موسى.
واغتاظ فرعون وتهددهم بقطع أيديهم وأرجلهم وأن يصلبهم على جذوع النخل، فلم يأبهوا لقوله وردوا عليه أن قالوا: {قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ ءَامَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [4] . وقالوا: قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا
(1) . رواه الترمذي (2398) وقال: حديث حسن صحيح. ورواه أحمد وابن ماجة والدارمي.
(2) . الصافات: (104 - 107)
(3) . الأعراف (116)
(4) . الأعراف (125 - 126)