الصفحة 38 من 40

ويستفاد من هذه الآية، أن المسلم لا يحرص على طلب الإمارة، أو تسنم المناصب القيادية ونحو ذلك، إلا أن يجد من نفسه قدرة وكفاية وأمانة، و لا يكون هناك من يقوم بالواجب غيره، فعندئذ ليطلبها وليسأل الله العون، وليحذر من التأويلات المسوغة له الإقدام على طلب المناصب، فإنه إن سألها وُكِل إليها، كما جاء في الحديث.

14 -فائدة جليلة من قوله تعالى: (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) .

الإنسان تطمح نفسه لنيل مراتب، أو تحصيل علم، أوتحصيل منفعه دينية أو دنيوية. ولكن ليس كل ما تمناه المرء مدركه، ولله في منع الناس من نيل بعض مبتغاهم حكم، فلله الأمر من قبل ومن بعد. ولا ينبغي الحزن على ما لم يتحقق من الأماني، بل تُسلى النفس بما أنعم الله عليها من النعم الدينية والدنيوية فذلك أدعى لسكون النفس وراحتها. وفي هذا المقام نسوق كلامًا نفيسًا للشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله - فقال: ينبغي لمن طمحت نفسه لما لا قدرة له عليه، أو غير ممكن في حقه، وحزنت لعدم حصوله أن يسليها بما أنعم الله به عليها مما حصل له من الخير الإلهي الذي لم يحصل لغيره؛ ولهذا لما طمحت نفس موسى عليه السلام إلى رؤية الله تعالى وطلب ذلك من الله، فأعلمه الله أن ذلك غير حاصل له في الدنيا وغير ممكن، سلاّه بما أتاه فقال {يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا ءَاتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [1] . أهـ [2] .

15 -الرؤيا من العلوم الشرعية التي لا يفتى فيها إلا بعلم.

قال بن سعدي -رحمه الله-: أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير الرؤيا، داخل في الفتوى، لقوله [أي يوسف عليه السلام] للفتيين: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} وقال الملك: {أفتوني في رؤياي} . وقال الفتى ليوسف: {أفتنا في سبع بقرات} الآية. فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم. أهـ [3] .

قلت: وفي هذا الزمن، كثر المعبرون، وتناقل الناس رؤى عجيبة، وإخبارٌ عن وقائع ستحدث في تواريخ محدده، وهو بابٌ من أبواب الكهانة لا تعبير الرؤيا!. وتهافت الناس على تعبير رؤاهم، وأكثرها أضغاث أحلام. وكان يكفي أحدهم إن رأى ما يسره أخبر بها من يحب، وإن رأى سوءً تعوذ بالله من شرها وتفل عن يساره ثلاثًا، وهي لا تضره بعد ذلك كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (

(1) . الأعراف (144)

(2) . المواهب الربانية من الآيات القرآنية (ص 40)

(3) . تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (4/ 77)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت