هذه الأنظمة تسود فيها مبادئ رئيسية متشابهة, وتسعى جميعًا إلى تحقيق العدالة والمساواة بين الناس، ولا شك أن هذه الأنظمة هي التي دفعت بالعديد من المبادئ القانونية المتصلة باحترام حقوق الإنسان إلى دائرة القانون الدولي.
وتفصيل ذلك أن القواعد المنظمة لحقوق الإنسان وجدت أولًا في دائرة القانون الداخلي, وولدتها هذه الأنظمة خاصة تلك التي تأثرت بالديانات السماوية كالنظام الإسلامي, والنظام اللاتيني حتى؟؟؟ الشريعة الإسلامية نجد اهتمامًا بالفرد وبقدره سواء على الساحة الدولية, أو على الساحة الداخلة, ولا فارق في الشريعة بين أشخاص دولية وأشخاص داخلية، والفرد المسلم يمكن أن يلزم دولته بعقود الذمة, ويمكن أن يمارس دورًا في إقامة علاقات بين دولته والدول الأخرى دون استئذان مسبق من الحاكم, أو مع هذا الاستئذان على تفصيلات واسعة تتحدث عنها كتب الفقه، وذلك إعمالًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم, ويسعى بذمتهم أدناهم» ، كذلك نجد دائرة للاهتمام الواسع بحقوق الفرد, خاصة حقه في الحياة وفي سلامة الجسم والعرض والعقيدة والمال, وتقرير أشد العقوبات على كل من يجترئ على حق من هذه الحقوق.
وفي النظام اللاتيني المتأثر بالقانون الروماني والقانون الكنسي, والذي غذته أفكار الثورة الفرنسية, نجد أن حقوق الإنسان قد ارتبطت بالأهداف الرئيسية للثورة الفرنسية, حتى قيل بأن هناك ثلاثة أجيال من حقوق الإنسان, يرتبط كل جيل بمبدأ من مبادئ هذه الثورة, وهي الحرية «الحقوق المدنية والسياسية» , والمساواة «الحقوق الاقتصادية والاجتماعية» , والإخاء «حقوق الشعوب, أو حقوق التضامن» . ويعتبر الفقهاء أن إعلان حقوق المواطن الفرنسي عام 1798 هو المقدمة الرئيسية لإعلانات الحقوق التي صدرت فيما بعد, والواقع أن الإنصاف يدعونا إلى عدم تجاهل دور الشعوب الأخرى في بلورة حقوق الإنسان وحرياته، ولا ننسى ثورة انجلترا التي أوجدت لنا «المانجاكارتا» التي صدرت عام 1215, ودفع فيها الشعب الانجليزي ثمنًا غاليًا لإقرار الحقوق السياسية أساسًا للإنسان في وقت لم يكن للإنسان في أوربا أن يشارك الحاكم في هذه الحقوق، كذلك إعلان الاستقلال الأمريكي, والذي أدى بدوره إلى إنشاء وثيقة قديمة للحقوق والحريات العامة عام 1776.
وفي المنطق الإسلامي، نجد سبقًا لإقرار هذه الحقوق عن أي نظام آخر، ففي العام الهجري الأول، أصدر الرسول صلى الله عليه وسلم وثيقة إنشاء الدولة الإسلامية, وضمنها مجمل حقوق الإنسان وحرياته التي تعرفها الدساتير الحديثة، لتجد طريقها إلى التطبيق في دولة قامت منذ أربعة عشر قرنًا [1] .
رابعًا: قرارات المنظمات الدولية:
(1) راجع للمؤلف، وثيقة إنشاء الدولة الإسلامية في المدينة، مجلة الشريعة والقانون، العدد الثاني ص 290 وما بعدها.