الصفحة 49 من 93

عرفتا السبيل على نحو ما إلى مكة التي يعنينا أمرها كثيرًا لأنها موطن محمد، وإن لم يكن ثم ما يثبت أنه كان بها يهود أو مسيحيون في عهد محمد، ومن العسير أن نظن أنه كان بها كثير منهم وإلا لاحتفظت لنا السِيَر بأنباء أكثر إسهابًا مما تناهى إلينا )) [1] ، ويقول روم لاندو: (( أما مدى إلمام الرسول بدقائق اليهودية والنصرانية وتفاصيلهما فمسألة حدس وتخمين ليس غير ) ) [2] .

إن من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وُلِدَ في مكة ونشأ فيها وبُعِثَ فيها، وظل فيها ثلاثة عشر عامًا منذ أول لقاء مع جبريل عليه السلام، وكانت مكة مقر الشرك والأصنام، ولم تكن بها أي لمحات ثقافية، فمن أين للنبي صلى الله عليه وسلم الاطلاع على تلك المصادر التي يزعمها المستشرقون؟ ولو صح ذلك لوجد في مكة مسيحيون أو يهود أو مجوس أو شاعت ديانات أخرى بجانب عبادة الأصنام، وهذا الأمر لم يكن قد حصل في مكة.

وبالنظر إلى تلك المصادر التي ذكرها المستشرقون في الدائرة فإن القارئ لها ليظن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد تعلَّم كل تلك المصادر وبلغاتها المختلفة، وإذا كان الأمر كذلك فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف القراءة والكتابة باللغة العربية بَلْهَ اللغات غير العربية؟ وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف لغات أخرى غير اللغة العربية؟ وأين كانت محفوظة تلك المصادر التي ذكرها المستشرقون؟ وأين أهل مكة منها؟ ومن هم المعلمون الذين أشرفوا على تعليمه بما تضمنته تلك المصادر من أخبار؟ ولماذا خُصَّ هو صلى الله عليه وسلم بالتعليم دون غيره من أهل مكة؟ وهل ما جاء به النبي صلى الله

(1) عبد الجليل شلبي، صور استشراقية، ص 50، الطبعة الثانية، دار الشروق، القاهرة، 1406 هـ.

(2) روم لاندو، الإسلام والعرب، ص 40، 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت