الصفحة 1207 من 1412

والجهاد ضروب شتَّى: جهاد بالقرآن في تعريف الناس ـ عموم الناس ـ بعلومه وتعاليمه، وجهاد العدو في ميدان القتال لصدِّه وردِّ اعتدائه، وجهاد للنفس بقهرها ومنعها من الانقياد لشهواتها الَّتي تُرديها، وجهاد بين النفس والخَلْقِ، بترك الطمع في أموالهم والإقبال على الرحمة بهم، وجهاد فيما بين المرء والدنيا، بعدم التهالك على جمع حُطامها وإنفاق المال فيما حرَّم الله. هذا الإيمان، وهذا الجهاد، خيرٌ للمرء من كلِّ ما في الدنيا من نفس ونفيس ومال وولد، لأن الأمور إنما تتفاضل بغاياتها ونتائجها. فإنْ فَعَلَ ذلك فآمنَ وجاهدَ غفر الله ذنوبه، وهذه وحدها تكفي، ولكنَّ فضل الله ليس له حدود، فقد منَّ على المؤمنين بإدخالهم فراديس جنانه، وإسكانهم مساكن طيِّبة في دار الخُلد الأبدي، ترتاح إليها النفوس، وتقرُّ بها العيون، وهذا منتهى ما تسمو إليه النفوس من الفوز الَّذي لا فوز بعده. إنه لربح ضخم هائل، أن يُعطي المؤمن ممَّا في هذه الدنيا الفانية، ويأخذ ممَّا في الآخرة الباقية، فالَّذي يتَّجِرُ بالدرهم فيكسب به عشرة، يغبطه كلُّ من في السوق، فكيف بمن يتَّجر في أيام قليلة معدودة على أرض متاعها محدود، فيكسب به خلودًا ومتاعًا غير مقطوع ولا ممنوع. وتبلغ الصفقة ذروة الربح الَّذي لا يعطيه إلا الله، الله الَّذي لا تنفد خزائنه، والَّذي لا مُمْسِكَ لرحمته، فهي المغفرة والجنَّات، والمساكن الطيِّبة، والنعيم المقيم في الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يدعو يوم القيامة الجنَّة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادي الَّذين قاتلوا في سبيلي وقُتِلُوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنَّة، فيدخلوها بغير عذاب ولا حساب» (أخرجه أحمد بن حنبل والطبراني والحاكم والبيهقي وابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ) .وفوق ذلك كله ربح سريع قريب، إنه النصر على المعتدين، ونشر السَّلام وإفشاء المحبَّة والإخاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت